تجريم الإثراء غير المشروع.. خطوة نحو تعزيز المحاسبة؟
بقلم: بوجندار عزالدين.
المقال الثالث والأربعون بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان : تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.. هل تتحول الوعود إلى معركة حقيقية ضد الفساد؟
في الوقت الذي تتزايد فيه مطالب المواطنين بتخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، يعود ملف محاربة الفساد إلى واجهة النقاش السياسي والمؤسساتي، بعد تأكيد فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، أن استعادة الثقة في المؤسسات تظل رهينة بمحاربة فعلية للفساد وتضارب المصالح، مع التعهد بتجريم الإثراء غير المشروع وتعزيز آليات التصريح بالممتلكات.
ومن زاوية سلسلة «من قاع الخابية»، فإن هذا التصريح يستحق التوقف عنده، ليس فقط باعتباره موقفاً سياسياً معلناً، بل لأنه يفتح الباب أمام سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل الالتزامات المتعلقة بمحاربة الفساد إلى إجراءات قانونية ومؤسساتية ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية؟
لا شك أن محاربة الفساد تشكل أحد المداخل الأساسية لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، غير أن هذه الثقة لا تُبنى بالتصريحات وحدها، مهما كانت أهميتها، بل تحتاج إلى إجراءات واضحة، وقوانين قابلة للتطبيق، ومؤسسات تتوفر على الإمكانيات والضمانات اللازمة للقيام بمهامها باستقلالية وفعالية.
فتجريم الإثراء غير المشروع، إذا جرى إقراره ضمن إطار قانوني دقيق يحترم قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، يمكن أن يشكل إحدى الآليات المهمة لمواجهة الزيادة غير المبررة في الثروات التي لا تجد تفسيراً مشروعاً، وفق ما يحدده القانون من شروط وإجراءات.
أما تضارب المصالح، فهو ملف لا يقل أهمية، لأنه يرتبط بالحالات التي قد تتعارض فيها المصالح الشخصية للمسؤول مع واجباته في تدبير الشأن العام. وهنا تبرز ضرورة وضع قواعد واضحة للتصريح بالمصالح، وتدبير حالات التعارض، ومنع استغلال المسؤولية العمومية لتحقيق منافع خاصة.
يُعد التصريح بالممتلكات من الآليات التي يُفترض أن تسهم في تعزيز النزاهة والشفافية، لكن فعاليته ترتبط بمدى احترام الالتزامات القانونية المتعلقة به، وبوجود آليات للتدقيق والمراقبة والتعامل مع حالات عدم التصريح أو التصريحات غير المطابقة للقانون.
فالمواطن لا ينتظر فقط معرفة أن المسؤولين ملزمون بالتصريح بممتلكاتهم، بل يريد أن يطمئن إلى أن هذه الآلية تؤدي دورها الرقابي، وأن المخالفات، متى ثبتت وفق المساطر القانونية، لا تمر دون مساءلة.
ومن هنا، فإن تطوير منظومة التصريح بالممتلكات ينبغي أن يرتبط بتوضيح نطاق التصريح، وتعزيز المراقبة، وضمان التنسيق بين المؤسسات المختصة، مع احترام حماية المعطيات الشخصية والحقوق التي يكفلها القانون.
إن الرهان الحقيقي أمام الحكومة والمؤسسات المعنية لا يكمن في إعلان الحرب على الفساد فحسب، بل في بناء منظومة تجعل الوقاية والمراقبة والمساءلة عناصر متكاملة في تدبير الشأن العام.
فمحاربة الفساد ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما ورش مؤسساتي يتطلب وضوح القواعد القانونية، وفعالية أجهزة الرقابة، واستقلال القضاء، وحماية المبلغين وفق القانون، وإتاحة المعلومات المتعلقة بتدبير المال العام، بما يسمح للمواطنين والصحافة بممارسة دورهم الرقابي في إطار القانون.
كما أن تحقيق الإنصاف يقتضي تطبيق القواعد على الجميع دون انتقائية، مع عدم الخلط بين الاشتباه والإدانة، أو بين تضارب المصالح المثبت قانوناً ومجرد الاختلاف في التقديرات أو القرارات الإدارية.
إن التعهد بتجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح وتعزيز التصريح بالممتلكات يضع هذه الملفات أمام اختبار التنفيذ. ومن حق الرأي العام أن يتابع الخطوات التشريعية والمؤسساتية التي ستترجم هذه الالتزامات إلى واقع، وأن يعرف ما إذا كانت ستُرفق بآليات فعالة للمراقبة والتقييم والمساءلة.
فالمواطن الذي يواجه صعوبات يومية في الحصول على الخدمات أو قضاء مصالحه الإدارية أو ضمان تكافؤ الفرص، يريد أن يرى مؤسسات تحمي المال العام، وتمنع استغلال النفوذ، وتضمن المساواة أمام القانون.
فاستعادة الثقة ليست وعداً يُقال في مناسبة سياسية، بل مسار طويل يبدأ بالالتزام، ويمر عبر التنفيذ، وينتهي بتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
بوجندار عزالدين — سلسلة من قاع الخابية.