0 16

بقلم : بوجندار ________عزالدين.

 

ليست هيبة القضاء في جدران المحاكم ولا في سلطة المسؤولين داخلها، بل في احترام القانون وصون كرامة المواطن، وضمان حقه في الاستفسار والتظلم والحصول على المعلومة القضائية وفق الضوابط القانونية. وحين تثار ادعاءات بشأن سوء المعاملة أو تقييد حرية أحد المرتفقين داخل مرفق قضائي، فإن الأمر يستوجب التحقق الجاد، لا التجاهل ولا إصدار الأحكام المسبقة.

في هذا السياق، تبرز واقعة الناشط الحقوقي والإعلامي حسن الحاتمي، الذي أفاد بتعرضه، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، لما وصفه بالاحتجاز التعسفي والإهانة داخل المحكمة الابتدائية بأزمور، على خلفية استفساره عن إمكانية الحصول على نسخة واضحة ومقروءة من حكم قضائي مكتوب بخط اليد، قال إن مضمونه تعذر عليه فهمه بسبب عدم وضوح الكتابة.

 

بحسب رواية الحاتمي، فإن ما بدأ باستفسار حول وثيقة قضائية تحول إلى مشادة كلامية، تخللتها، وفق إفادته، عبارات اعتبرها مهينة، فضلاً عن اتهامه بممارسة السمسرة داخل المحكمة، والتهديد بتحرير محضر في حقه بدعوى عرقلة السير العادي للمرفق القضائي وإحداث الضجيج.

وأضاف المعني بالأمر أن رئيسة المحكمة أمرت باستدعاء عناصر الشرطة، وأنه ظل داخل أحد المكاتب لمدة تجاوزت ساعة ونصف، بحضور أمني، قبل مطالبته بالإدلاء ببطاقة هويته. وأوضح أنه غادر المحكمة لاحقاً دون تحرير محضر في حقه، بعدما جرى التراجع عن الإجراء الذي سبق التلويح به، وفق روايته.

هذه المعطيات، وإن كانت تستند في الوقت الراهن إلى إفادة أحد أطراف الواقعة، تطرح أسئلة مشروعة تستحق أجوبة واضحة: ما الظروف التي أحاطت ببقاء الحاتمي داخل المكتب؟ وما طبيعة الإجراء الذي اتُّخذ في حقه؟ وهل جرى احترام الضوابط القانونية المؤطرة للتعامل مع المرتفقين داخل المحاكم؟

أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد رواية طرف واحد، لكنها لا يجوز أيضاً أن تُترك معلقة دون تحقق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمرفق يُفترض فيه أن يكون نموذجاً في احترام القانون وضمان الحقوق.

 

إن جوهر القضية لا يتعلق بشخص حسن الحاتمي وحده، ولا بطبيعة الخلاف الذي نشب داخل المحكمة، بل بمبدأ أساسي: كيف ينبغي أن تتعامل المؤسسات القضائية مع المواطن حين يطلب توضيحاً أو يعبّر عن عدم فهمه لوثيقة قضائية؟

فإذا كان من حق إدارة المحكمة اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على النظام وضمان السير العادي للمرفق، فإن تلك الإجراءات يجب أن تظل مؤطرة بالقانون، متناسبة مع الوقائع، ومحترمة لكرامة الأشخاص وحقوقهم.

وفي المقابل، فإن أي ادعاء بوقوع تجاوز لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة مسبقة لأي مسؤول أو موظف، قبل الاستماع إلى مختلف الأطراف والاطلاع على المعطيات المتاحة. فالإنصاف الحقيقي لا يتحقق بالانحياز إلى رواية واحدة، بل بكشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات على أساس الأدلة.

 

كما عبّر الحاتمي عن تقديره لما وصفه بالتواصل الإيجابي الذي يطبع تعامل عدد من المسؤولين القضائيين بمدينة الجديدة مع المرتفقين والهيئات الحقوقية والإعلامية، في إشارة إلى أن المطالبة بالتحقيق لا تعني استهداف المؤسسة القضائية، بل السعي إلى تعزيز الثقة فيها وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.

من موقعنا في جريدة «المشاهد»، وضمن سلسلة «من قاع الخابية»، نؤكد أن احترام المؤسسات لا يتعارض مع مساءلتها، وأن الدفاع عن كرامة المواطن لا يعني المساس باستقلال القضاء أو التشكيك في نزاهة العاملين به.

بل إن قوة المؤسسات تكمن في قدرتها على التعامل مع الشكايات بجدية، وتوضيح الحقائق للرأي العام بالوسائل القانونية المتاحة، وتصحيح أي اختلال يثبت وقوعه، مع حماية حقوق جميع الأطراف.

فإذا كشفت نتائج التحقيق عن وجود تجاوز، وجب ترتيب الآثار القانونية المناسبة وفقاً للقانون. وإذا أظهرت أن الإجراءات المتخذة كانت مبررة ومطابقة للمقتضيات الجاري بها العمل، وجب توضيح ذلك أيضاً، حتى لا تبقى القضية رهينة التأويلات والروايات المتعارضة.

إن المطلوب اليوم ليس إصدار أحكام إعلامية، ولا تحويل الواقعة إلى مواجهة شخصية، بل الوصول إلى الحقيقة كاملة، بعيداً عن الضغوط والانفعالات والاصطفافات.

 

إن مطلب فتح التحقيق في واقعة المحكمة الابتدائية بأزمور يشكل فرصة لتوضيح ما جرى، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وصون كرامة المواطن وهيبة القضاء في آن واحد.

فالقضاء القوي لا يخشى الأسئلة المشروعة، والمؤسسات الواثقة من سلامة إجراءاتها لا تجد حرجاً في توضيح الحقائق عبر المساطر المختصة.

ومن هنا، يبقى السؤال المطروح: هل ستُفتح أبواب التحقق لكشف ملابسات ما رواه حسن الحاتمي، أم ستظل الواقعة مجرد رواية متداولة دون جواب مؤسساتي واضح؟

«من قاع الخابية».. لأن الحقيقة لا تُستخرج بالصمت، بل بالتحقيق والأدلة واحترام القانون.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.