صفحات بأسماء جرائد.. من يحمي الصحافة القانونية؟

0 22

بقلم : بوجندار _______عزالدين.

المقال السادس والأربعون بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: السلطة الرابعة في مواجهة فوضى الصفحات؟

 

تعد الإشكالات المرتبطة بالمشهد الإعلامي بجهة مراكش آسفي تقتصر على ضعف الإمكانيات أو صعوبة الوصول إلى المعلومة، بل باتت تطرح أسئلة محرجة حول معايير الولوج إلى المؤسسات العمومية، وحدود التمييز بين العمل الصحفي المنظم والنشر عبر صفحات رقمية تتخذ لنفسها أسماء توحي بأنها جرائد أو صحف أو إذاعات.

ففي الوقت الذي تستثمر فيه مؤسسات صحفية قانونية مواردها البشرية والمادية، وتتحمل مسؤولية النشر والتحقق من الأخبار، تثار تساؤلات بشأن صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تقدم نفسها للجمهور بأسماء إعلامية، وتتمكن، بحسب ما يطرحه مهنيون، من تغطية أنشطة رسمية وتعيينات ولقاءات داخل مؤسسات عمومية، بينما يجد صحفيون تابعون لمقاولات إعلامية قانونية أنفسهم أمام عراقيل أو قيود تحول دون قيامهم بمهامهم المهنية.

 

إن جوهر القضية لا يتعلق بمحاربة الصحافة الرقمية، ولا بالتضييق على المواطنين في التعبير عن آرائهم، بل بضمان وضوح الصفة المهنية، واحترام القواعد القانونية، وتحقيق تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الإعلاميين. فحرية التعبير مكسب دستوري، لكنها لا تعني أن المؤسسات العمومية مطالبة بالتعامل مع جميع الصفحات بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع المقاولات الصحفية المستوفية للشروط القانونية.

ويشكل القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر أحد النصوص المؤطرة لهذا المجال، إذ ينظم شروط إصدار الصحف الإلكترونية ومسؤولية مديري النشر، إلى جانب ضمانات حرية الصحافة والتعددية الإعلامية. غير أن تنزيل القانون يقتضي التمييز الدقيق بين مجرد إنشاء صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبين ممارسة نشاط صحفي منظم أو تقديم النفس بصفة مهنية دون سند قانوني..

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الصفحات وحدها؛ بل تمتد أيضاً إلى الجهات التي توجه الدعوات، وتنظم التغطيات، وتحدد شروط الولوج إلى اللقاءات والأنشطة الرسمية. فمن حق الصحفي المهني أن يعرف المعايير المعتمدة، ومن حق المؤسسة الصحفية القانونية أن تحصل على معاملة منصفة، ومن واجب الإدارات أن تعتمد ضوابط واضحة وموحدة، بعيداً عن الانتقائية أو التمييز غير المبرر.

 

المطلوب اليوم ليس إطلاق أحكام مسبقة، ولا الدعوة إلى إغلاق صفحات لمجرد أنها رقمية، بل فتح باب التحقق القانوني والإداري من الحالات التي توجد بشأنها قرائن جدية على استعمال أسماء إعلامية مضللة أو تقديم صفات مهنية غير ثابتة. وأي إجراء تقييدي أو إغلاق ينبغي أن يستند إلى أساس قانوني، وأن تتخذه الجهة المختصة وفق المساطر الجاري بها العمل.

أما الحكومة الجديدة، فإن المهنيين والرأي العام ينتظرون منها إرادة واضحة لإعادة الاعتبار للصحافة المنظمة، وتحسين شروط ممارسة المهنة، وتعزيز الشفافية في التعامل مع المؤسسات الإعلامية، حتى لا تتحول الفضاءات الرقمية إلى مجال تختلط فيه الصفات وتضيع فيه الحدود بين العمل الصحفي المسؤول والانتحال المحتمل للهوية الإعلامية.

 

وفي انتظار تحرك مؤسساتي جاد، يبقى السؤال قائماً: من يضمن تكافؤ الفرص بين الصحفي الذي يتحمل مسؤولية مؤسسته القانونية، وصاحب صفحة يستعمل اسماً إعلامياً دون أن تتضح للجمهور هويته المهنية؟

إن حماية صاحبة الجلالة لا تتحقق بمنع الأصوات الجديدة، ولا بتكميم الأفواه، بل بإرساء قواعد عادلة تحمي حرية التعبير، وتصون حقوق المقاولات الصحفية القانونية، وتضع حداً لكل ممارسة يثبت أنها تخالف القانون.

 

فهل تتحول هذه التساؤلات إلى مراجعة حقيقية لمعايير اعتماد التغطيات الإعلامية داخل المؤسسات العمومية بجهة مراكش آسفي، أم ستظل الفوضى المهنية، إن ثبتت، أقوى من قواعد التنظيم والمساءلة؟

من قاع الخابية.. لأن إصلاح المشهد الإعلامي يبدأ بالمساواة أمام القانون، لا بالانتقائية في تطبيقه.

 

وأمام هذه التساؤلات المهنية والقانونية، فإننا نطالب المحكمة الابتدائية بمراكش، والنيابة العامة المختصة، كلٌّ في حدود اختصاصه، بالنظر في الوقائع والمعطيات المتوفرة، وفتح بحث قانوني عند قيام ما يبرره، والاستماع إلى أصحاب الصفحات التي تقدم نفسها بأسماء جرائد أو صحف أو إذاعات، للتحقق من هويتها القانونية وصفاتها المهنية ومدى احترامها للقوانين الجاري بها العمل، دون استهداف حرية التعبير أو المساس بالعمل الصحفي المشروع.

إن المطلوب ليس تصفية الحسابات مع الصحافة الرقمية، وإنما وضع حد لأي استغلال محتمل لأسماء المؤسسات الإعلامية أو للصفات المهنية خارج الضوابط القانونية، مع ضمان المساواة أمام القانون، وحماية الصحفيين المهنيين والمقاولات الصحفية القانونية من كل ممارسة غير مشروعة.

 

فلا يعقل أن يتحمل الصحفي المهني مسؤولية ما ينشره، ويخضع لشروط المهنة والتزاماتها، بينما تظل تساؤلات مشروعة حول هوية بعض الصفحات وطبيعة أنشطتها دون جواب واضح. إن تطبيق القانون لا ينبغي أن يتوقف عند اسم الصفحة أو حجم حضورها على مواقع التواصل، بل يجب أن يستند إلى الوقائع والأدلة والمساطر القانونية.

ومن هنا، ننتظر تحركاً مؤسساتياً مسؤولاً يعيد الوضوح إلى المشهد الإعلامي بمراكش، ويصون هيبة القانون وكرامة الصحافة، حتى لا تتحول صفة «الصحفي» إلى مجرد تسمية افتراضية، ولا يصبح الفضاء الرقمي بديلاً عن الالتزام المهني والمسؤولية القانونية.

 

من قاع الخابية.. لسنا ضد حرية النشر، بل ضد أي خرق يثبته القانون؛ ولسنا ضد الصفحات الرقمية، بل مع صحافة واضحة الهوية، مسؤولة في عملها، ومتساوية أمام القانون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.