محمد عمورة.. الإعلامي الذي جعل من الميكروفون رسالة لخدمة المجتمع
بقلم : بوجندار _____عزالدين.
زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم وتسيّدت “التفاهة الرقمية” مشهد النقاش العمومي، يُصبح من الواجب المهني والأخلاقي إعادة الاعتبار للرموز الإعلامية التي صاغت وعي أجيال من المستمعين المغاربة. يُعتبر الإعلامي القدير محمد عمورة من أبرز القامات الإذاعية في تاريخ الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة (SNRT). فمنذ التحاقه بالمجال السمعي البصري في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، نجح في تأسيس مدرسة نموذجية في التنشيط الإذاعي ركيزتها الاحترام المطلق لعقل المستمع والالتزام التام بالرسالة المجتمعية والتوعوية للصحافة الجادة.
لقد انطلقت مسيرة الأستاذ محمد عمورة من عشق دفين للمسرح والسينما قاده إلى اجتياز مباراة الإذاعة الوطنية، ليتدرج بعدها في العمل التلفزيوني والإذاعي مقدماً لنشرات الأخبار، قبل أن يستقر خلف ميكروفون الإذاعة ويجعل منه جسراً للتواصل الحي واليومي مع ملايين المغاربة. طوال أربعة عقود من العطاء المشهود، تميزت تجربة عمورة بتقديم باقة من البرامج الإذاعية التي طبعت الذاكرة الجماعية، ومن أبرزها:
• برنامج مسابقات مفتوحة: الموعد الأسبوعي الشهير الذي كان يجمع العائلات المغربية صبيحة كل أحد، ممزوجاً بالثقافة، الترفيه الراقي، والمعلومات الموسوعية الدقيقة.
• برنامج أحضي راسك: المحطة التوعوية الرائدة التي تخصصت في كشف أساليب النصب والاحتيال وتنبيه المواطنين لحماية أنفسهم وحقوقهم.
• برنامج منك وإليك: الفضاء الاجتماعي التفاعلي الذي خُصص لاستقبال تساؤلات المتلقين ومشاكلهم، والبحث عن حلول واقعية لها بالاستعانة بالخبراء والمختصين.
• برنامج مشاهد من الطريق: محطة تحسيسية رائدة أسهمت لسنوات في نشر ثقافة السلامة الطرقية والحد من حوادث السير.
• برنامج صندوق الهدايا: مسابقة فنية خفيفة تميزت بأسلوبها الحديث والمبتكر في التواصل مع المستمعين.
إن ما يتعرض له الزميل محمد عمورة اليوم من حملات تبخيس وتخوين متسرعة على منصات التواصل الاجتماعي، لا يخرج عن كونه انعكاساً لآفة “الأحكام الجاهزة” وغياب التحري الرقمي. فالرجل كان واهباً صوته وقلمه لقضايا الوطن والمجتمع في أصعب المحطات؛ بدءاً من تغطيته لزلزال الحوز، وفاجعة قطار بوقنادل، مراراً بوقوفه في الخطوط الأمامية للتحسيس والتوعية إبان أزمة كورونا، وصولاً إلى معاركه الإعلامية الشجاعة ضد تضليل الأخبار الزائفة وتجاوزات ريع المدارس الخصوصية ومصحات القطاع الخاص.
أما في شأن مواقفه السياسية والوطنية، فقد ظل الرجل ثابتاً في خندق الدفاع عن الثوابت السيادية ومصالح بلاده العليا، دون أن يتنكر يوماً للقضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية؛ وهو الذي سجل التاريخ الإذاعي المغربي تخصيصه لحلقات كاملة وعفوية للتضامن مع قطاع غزة منذ سنة 2008 عبر أثير الإذاعة الوطنية، مقدماً دروساً تاريخية في جذور الصراع العربي الإسرائيلي.
إن الاختلاف في الرؤى والتقديرات السياسية هو ظاهرة صحية في مجتمع واعي، لكنه لا يجب بأي حال من الأحوال أن يتحول إلى تصفية حسابات أو سب وشتم يلغي تاريخاً إعلامياً حافلاً تُوج بـ 14 جائزة إذاعية وطنية وعربية. كل التضامن والتقدير للأستاذ والزميل محمد عمورة، ولتظل قامات الإذاعة الوطنية الشامخة بمنأى عن أمواج التفاهة العابرة