هندسة المنصوري الحكومية.. رصاصة الرحمة على إرث “الوصاية” الإعلامية.

0 12

متابعة : هيئة____ التحرير

تفكيك وزارة الاتصال.. هل ترفع الدولة يدها عن الصحافة الوطنية؟

 

لم يكن شطب وزارة الاتصال من الهندسة الحكومية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري مجرد عملية “راديكالية” لتقليص الحقائب، بل خطوة سياسية جريئة تعكس رغبة صريحة في تصفية الإرث التقليدي للوصاية الرسمية على الإعلام. هذا التحول الهيكلي يضع الصحافة الوطنية أمام واقع مكشوف وعاري من أي مظلة سياسية مباشرة، مما يطرح تساؤلات حارقة: هل يتعلق الأمر باستراتيجية مدروسة لتحرير القطاع ودفع المهنيين نحو “التنظيم الذاتي” وتحمل مسؤوليتهم؟ أم أنه “تغيب مقصود” يعكس تراجع مكانة “السلطة الرابعة” في سلم أولويات التدبير الحكومي الجديد؟

 

يرى تيار واسع من المهنيين والمراقبين للشأن السياسي المغربي أن إقبار ما تبقى من إرث “وزارة الاتصال” التقليدية، وتوزيع اختصاصاتها، يعكس رغبة واضحة في تغيير قواعد اللعبة. فالوزارة التي كانت لسنوات طوال بمثابة “الناطق الرسمي” والوصي المباشر على الحقل الإعلامي، تعاملت معها الهندسة الجديدة بمنطق “التجاوز الاقتصادي والتدبيري”، معتبرة أن تدبير قطاع الصحافة والإعلام لم يعد بحاجة إلى وصاية كلاسيكية بقدر ما يحتاج إلى آليات تنظيمية وصناعية حديثة.

غير أن هذا التوجه يطرح إشكالية كبرى تتعلق بالهوية المؤسساتية للقطاع؛ فأين يتجه الصحفيون والناشرون لمناقشة أزماتهم الهيكلية؟ ومَن يمتلك الصلاحية السياسية المباشرة لتنزيل الإصلاحات التشريعية المرتبطة بالقوانين المنظمة للمهنة؟

 

قراءة متأنية في هذا التحول البنيوي تكشف عن ثلاثة دوافع أساسية حرص صناع القرار الحكومي على تبنيها:

• الاتجاه نحو الحكامة الذاتية: دفع الدولة في اتجاه تقوية آليات التنظيم الذاتي للمهنة، وتحميل الجسم الصحفي (عبر مجاورة المجلس الوطني للصحافة والهيئات المهنية) مسؤولية تنظيم بيته الداخلي، وتقليص التدخل المباشر للجهاز التنفيذي.

• مركزة التواصل المؤسساتي: حصر دور تواصل الحكومة في قنوات تواصلية وتكنولوجية ممركزة وتابعة مباشرة لرئاسة الحكومة، مما يعني الانتقال من “وزارة وصية على قطاع” إلى “منظومة تواصلية وظيفية” تخدم الأجندة التنفيذية والسياسات العمومية بشكل مباشر وبراغماتي.

• الترشيد الهيكلي: تقليص عدد الحقائب الوزارية ودمج القطاعات لضمان سرعة الأداء وتقليل الكلفة التدبيرية، واعتيار قطاع الإعلام جزءاً ينبغي دمجه ضمن قطاعات حيوية أخرى (كالثقافة أو الاقتصاد الرقمي) بدل تركه في جزيرة معزولة.

 

على الرغم من المبررات التدبيرية، يسود تخوف حقيقي بين الإعلاميين من أن يؤدي هذا “الغياب الإسمي والمؤسساتي” إلى تراجع القيمة الاعتبارية لقطاع الصحافة داخل الرؤية الحكومية. فالصحافة الوطنية، التي تواجه تحديات اقتصادية خانقة في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتبذل جهوداً لمواجهة الأخبار الزائفة والدفاع عن القضايا الاستراتيجية للمملكة، كانت تنتظر دعماً هيكلياً ومواكبة سياسية رفيعة المستوى، وليس تذويباً لاختصاصاتها الإعلامية.

 

إن إلغاء وزارة الاتصال بشكلها التقليدي يضع الجسم الإعلامي أمام تحدٍّ مصيري؛ فهو من جهة يتحرر من القيود الكلاسيكية للوصاية الإدارية، ولكنه من جهة أخرى يجد نفسه مطالباً بانتزاع مكانته وتنظيم آلياته واقتصاده بشكل ذاتي ليثبت أن غياب الوزارة لا يعني بأي حال من الأحوال غياب الأولوية أو تراجع الدور المحوري للإعلام في بناء المسار الديمقراطي والتنموي.

 

إن تفكيك وزارة الاتصال في عهد حكومة المنصوري لم يكن مجرد جرة قلم، بل هو إعلان رسمي عن نهاية صلاحية “مفهوم الإعلام الكلاسيكي” لدى صناع القرار. لقد تم إقبار هذه الحقيبة لأن الدولة باتت ترى فيها عبئاً بيروقراطياً يعود لزمن “البروباغندا والرقابة الإدارية”، واستبدلتها بحقائب وزارية هجينة وجديدة (تركز على الرقمنة، والابتكار، والاقتصاد الثقافي) تماشياً مع عقيدة تكنوقراطية جديدة ترى الإعلام كـ”صناعة محتوى واستثمار رقمي” وليس كملف سياسي يحتاج لوصاية حكومية. هذا التحول يضع الجسم الصحفي أمام خيار وحيد: إما التأقلم السريع مع قواعد “السوق والرقمنة والتنظيم الذاتي”، أو السقوط في هامش هندسة حكومية لم تعد تؤمن بالريع أو بالمظلات السياسية التقليدية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.