«الشجرة العملاقة».. حين يثمر الإبداع داخل جامعة القاضي عياض
بقلم: بوجندار________ عزالدين.
ليست الجامعة فضاءً لتلقين الدروس وحفظ النظريات فحسب، بل هي مجال لاختبار الأفكار، وصناعة المعرفة، وتحويل البحث الأكاديمي إلى تجربة ملموسة. ومن هذا المنطلق، يستحق مشروع «الشجرة العملاقة» (The Giant Tree Project)، الذي تحتضنه كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش التابعة لجامعة القاضي عياض، وقفة تستحق القراءة والتأمل.
فحسب البلاغ الصحفي والمعطيات الواردة في الوثائق المقدمة، يستعد طلبة ماستر اللسانيات والدراسات الإنجليزية المتقدمة لتنظيم فعالية أكاديمية يوم السبت 24 أكتوبر 2026، من الساعة التاسعة صباحاً إلى الثانية عشرة زوالاً، بالقاعة الزرقاء بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، تحت تنسيق الأستاذ عبد الله الحلوي.
من القصيدة إلى الشجرة.. هندسة لغوية في قالب إبداعي
يقوم المشروع على إنجاز شجرة تركيبية عملاقة انطلاقاً من قصيدة «29» للشاعر الإنجليزي ويليام شكسبير، في تجربة تجمع بين النظرية اللسانية والتحليل التركيبي والقراءة الفيلولوجية للنص الأدبي.
وتتمثل الفكرة في تحويل البنية اللغوية للقصيدة إلى مجسم بصري كبير، يبرز العلاقات بين مكونات الجملة، ويجعل القواعد اللسانية أكثر وضوحاً وقرباً من الفهم، حتى بالنسبة إلى غير المتخصصين.
ووفق المعطيات المنشورة، اشتغل الطلبة على المشروع على مدى شهر ونصف، موزعين على أربع مجموعات، لإنجاز شجرة تركيبية يبلغ حجمها نحو أربعة أمتار، في عمل جماعي يتطلب الدقة والتنسيق والقدرة على تحويل المفاهيم النظرية إلى منتج أكاديمي قابل للعرض والتفاعل.
إن تحويل قصيدة أدبية إلى بنية تركيبية مرئية يمنح الطلبة فرصة لاختبار معارفهم، وتطوير مهاراتهم في التحليل والتفسير والعمل الجماعي، كما يفتح المجال أمام الجمهور لاكتشاف جانب من اللسانيات بطريقة أكثر تفاعلية.
وهنا تبرز قيمة المبادرات الجامعية التي تمنح الطالب موقع الفاعل في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلقٍّ لها، وتدفعه إلى التفكير والابتكار وتقديم نتائج تعلمه في صورة ملموسة.
في زمن تتسارع فيه التحولات العلمية والتكنولوجية، لم يعد تطوير التعليم العالي مقتصراً على تحديث البرامج والمناهج، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمدى قدرة المؤسسات الجامعية على تشجيع التجارب التطبيقية، وربط البحث الأكاديمي بالإبداع، وإعداد طلبة يمتلكون أدوات التفكير النقدي والعمل المشترك.
ومن هذه الزاوية، تقدم مبادرة «الشجرة العملاقة» نموذجاً يستحق المتابعة، بالنظر إلى ما تحمله من إمكانات بيداغوجية وإبداعية، وما تتيحه من فرصة لإبراز كفاءات الطلبة ومجهوداتهم داخل الفضاء الجامعي.
غير أن الرهان الحقيقي لا يتوقف عند تنظيم فعالية ناجحة أو إنجاز مجسم لافت، بل يكمن في استمرارية مثل هذه المبادرات، وتوثيق نتائجها، وتقييم أثرها على التعلم، وإمكانية تطويرها إلى مشاريع تربط الجامعة بمحيطها الثقافي والعلمي.
إن «الشجرة العملاقة» ليست مجرد شجرة من الورق والتحليل اللغوي، بل فكرة تحاول أن تمنح المعرفة شكلاً وصورة، وأن تجعل النص الأدبي مدخلاً لفهم آليات اللغة وبنيتها.
ومن واجب الإعلام المهني أن يسلط الضوء على مثل هذه المبادرات، بعيداً عن منطق الإثارة المجانية، وأن يمنح المساحة للكفاءات الطلابية والمشاريع الأكاديمية التي تستحق التعريف والتشجيع.
فحين يلتقي الاجتهاد الطلابي بالتأطير الأكاديمي، يمكن للجامعة أن تتحول إلى فضاء حي للإبداع، وتصبح المعرفة أكثر قرباً من المجتمع.
ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه التجربة: هل تتحول مثل هذه المبادرات من أنشطة جامعية معزولة إلى ثقافة مؤسساتية دائمة تجعل الابتكار والعمل التطبيقي جزءاً أساسياً من الحياة الجامعية؟
ذلك هو التحدي الحقيقي؛ لأن الجامعة التي تكتفي بتدريس المعرفة تخرّج متعلمين، أما الجامعة التي تفتح أبواب التجريب والإبداع، فإنها تمنح المجتمع فرصة أوسع لصناعة المستقبل.