بريئة منكم الصحافة.. غزو الفضائح واللايكات يهدم مهنة المتاعب

0 10

متابعة : بوجندار______ عزالدين.

المقال التاني والثلاثون بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: التمييع الإعلامي.. عندما تصنع “التفاهة” حواراً صحفياً.

 

جديد من فصول “التمييع الإعلامي” الذي بات ينخر جسد المشهد الرقمي ببلادنا. ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تتجه ميكروفونات المنابر الإعلامية لمساءلة ممثلي الأمة حول مضامين الخطاب الملكي الافتتاحي للسنة التشريعية، وما يحمله من رهانات استراتيجية ومخططات اقتصادية واجتماعية حارقة، اختزل أحدهم دور “السلطة الرابعة” في سؤال هابط يلاحق نائباً برلمانياً باحثاً عن سائقه، ليتحول المشهد من حوار سياسي مفترض إلى مادة دسمة لـ”البوز” الرخيص تحت عنوان: “كيف جاتك الحلوة؟”.

 

إن هذا السلوك لا يمكن تصنيفه، بأي حال من الأحوال، ضمن خانة العمل الصحفي الجاد أو المهني. فالصحافة، في كنهها وغاياتها الكونية، هي رسالة نبيلة تنويرية، تُبنى على أسئلة مشروعة، واعية، ومسؤولة، تهدف إلى استخراج المواقف وصناعة الوعي العام، وليس ملاحقة النخب بأسئلة تافهة تُستغل لإثارة السخرية الافتراضية وجلب “اللايكات” على حساب وقار المؤسسات وصورة الممارسة الإعلامية.

 

لأسف الشديد، لم نعد نرى في جزء كبير من المشهد الرقمي سوى سباق محموم نحو نشر التفاهة، والانحلال الأخلاقي، واقتناص الفضائح. لقد تناست هذه المنابر الأدوار الحقيقية للإعلام كقوة اقتراحية ورقابية، واستبدلتها بـ”ميكروفونات الرصيف” التي لا تبحث عن المعلومة بل تصنع “التفاهة السلبية”، مكرسة لثقافة الاستهلاك التافه الذي يساهم في تسطيح وعي المجتمع وتنفيره من النقاشات الجادة.

 

إن ما جرى خلف أسوار المؤسسة التشريعية يسائل بالدرجة الأولى الهيئات الوصية على القطاع، ويدق ناقوس الخطر حول شروط ولوج هذه المهنة النبيلة ومنح صفة “المراسل” أو “الصحفي”. فالصحافة الحقيقية بريئة براءة الذئب من دم يوسف من هذه الممارسات التي تسيء للآلاف من رجال ونساء الإعلام الذين يقبضون على جمر المهنة ويدفعون ضريبة الرصانة والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي.

 

حين تصبح “الحلوة” والفضائح هي العملة الرائجة في سوق الميكروفونات، لا يملك المتتبع الغيور سوى أن يبسط يديه ليصلي صلاة الجنازة على وقار السلطة الرابعة، معلناً الدخول في حداد مهني طويل، حتى يستعيد المشهد هيبته، وتعود للميكروفون كرامته، وللأسئلة قيمتها التي تبني الوطن ولا تهدم الذوق العام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.