حين يتحول ورش البناء إلى خطر يومي،من يحمي أرواح العمال من السقوط والإهمال؟
بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر
متابعة: عبدالعزيز____شطاط
في كل مرة يسجل فيها سقوط عامل من أعلى بناية أو داخل ورش للبناء، تتجدد المأساة ذاتها بأوجاع مختلفة. دقائق من الفوضى، سيارات إسعاف تستنفر، وأسر تتلقى أخباراً قد تقلب حياتها رأساً على عقب. وبينما تتوارى الحوادث سريعاً من واجهة الأحداث، تبقى آثارها حاضرة في حياة عائلات فقدت معيلها أو وجدت نفسها أمام إصابات قد تنهي مساراً مهنياً في لحظة واحدة.
ورغم المكانة الاقتصادية التي يحتلها قطاع البناء والأشغال العمومية باعتباره أحد المحركات الأساسية للتنمية والاستثمار، فإن الوجه الآخر لهذا القطاع يكشف واقعاً لا يخلو من الاختلالات، خاصة ما يتعلق بسلامة العمال داخل الأوراش، حيث تتكرر حوادث السقوط والإصابات الخطيرة بشكل يثير القلق ويدفع إلى التساؤل حول مدى الالتزام الفعلي بشروط الوقاية والحماية.
وتبقى معدات السلامة المهنية أول ما يتبادر إلى الأذهان عند الحديث عن هذه الحوادث. فالخوذة الواقية، وحزام الأمان، والأحذية الخاصة، وغيرها من وسائل الحماية ليست مجرد أدوات إضافية، بل تشكل ضمانة أساسية لحماية العامل أثناء مزاولة مهامه. غير أن عدداً من المتابعين للشأن المهني يتساءلون عما إذا كانت هذه الوسائل متوفرة بالفعل في جميع الأوراش، أم أن بعضها لا يزال يعتبرها عبئاً مالياً يمكن الاستغناء عنه.
كما يطرح الواقع الميداني تساؤلات مرتبطة بمدى احترام المقاولات لالتزاماتها القانونية والاجتماعية، خاصة تلك المتعلقة بحماية المستخدمين والتصريح بهم لدى الصناديق والمؤسسات المختصة. فبين النصوص القانونية والتطبيق العملي، تبرز فجوة تثير الكثير من علامات الاستفهام حول أوضاع فئة من العمال الذين قد يجدون أنفسهم دون تغطية أو تعويض عند وقوع الحوادث.
وفي المستشفيات العمومية، تتوافد بين الحين والآخر حالات إصابة متفاوتة الخطورة مرتبطة بحوادث الشغل في قطاع البناء، بعضها ينتهي بعجز دائم، وأخرى تتحول إلى مآسٍ إنسانية تترك وراءها أسرًا تواجه مصيراً مجهولاً بعد فقدان مصدر دخلها الرئيسي.
ويبرز في هذا السياق دور أجهزة المراقبة والتفتيش، باعتبارها الحلقة الأساسية في تتبع مدى احترام شروط السلامة داخل الأوراش. غير أن تزايد عدد المشاريع المفتوحة عبر مختلف المدن يفرض بدوره أسئلة حول حجم الموارد البشرية والإمكانات المتاحة لهذه الأجهزة، ومدى قدرتها على مواكبة جميع الأوراش ورصد التجاوزات قبل وقوع الكارثة.
كما أن النقاش لا يتوقف عند لحظة وقوع الحادث، بل يمتد إلى ما بعدها، حيث تبرز إشكالية التكفل بالمصابين ومواكبة أسر الضحايا وضمان حقوقهم القانونية والاجتماعية. فالكثير من الملفات تطرح تحديات مرتبطة بالتعويض والعلاج واستمرارية الدعم للأسر التي تجد نفسها فجأة أمام واقع جديد وصعب.
إن العامل الذي يساهم يومياً في تشييد العمارات والطرق والمنشآت الكبرى، ويخاطر بحياته فوق السقالات وفي ظروف عمل معقدة، يستحق بيئة مهنية آمنة تضمن له الحماية والكرامة. فسلامة الإنسان لا ينبغي أن تكون بنداً ثانوياً في معادلة الإنتاج، بل أولوية تسبق كل الاعتبارات الأخرى.
ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل ما يقع مجرد حوادث تفرضها طبيعة المهنة، أم أن الأمر يكشف عن اختلالات تستوجب مزيداً من المراقبة والصرامة في تطبيق قوانين السلامة المهنية؟ سؤال يظل مفتوحاً في انتظار أجوبة عملية تترجم على أرض الواقع، وتحول أماكن العمل إلى فضاءات أكثر أمناً للعامل المغربي.