تامنصورت: موظفون دخلوها “ربنا كما خلقتنا” وأصبحوا يمتلكون فيلات وسيارات

0 92

متابعة: بوجندار _____عزالدين.

المقال السادس والثلاثون بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: من أين لك هذا؟”.. سؤال شعبي يلاحق موظفين اغتنوا “بقدرة قادر” في تامنصورت؟

 

قلم____ استقصائي حر

في المدن الجديدة التي تولد من رحم التوسع العمراني، غالباً ما تسير وتيرة التنمية ببطء شديد، لكن هناك “وتيرة أخرى” تسير بسرعة الضوء؛ إنها وتيرة الاغتناء السريع لبعض الموظفين والمسؤولين الذين وفدوا على مدينة تامنصورت في بداياتها الأولى “ربنا كما خلقتنا”، ليتحولوا بقدرة قادر، وفي ظرف سنوات معدودة، إلى ملاك عقارات، وبقع أرضية، وشقق، وسيارات فارهة، يخطئ من يظن أنها نتاج “أجر شهري” محكوم بسلالم الوظيفة العمومية.

 

الحسبة البسيطة لأي مواطن مغربي تكشف حجم “الخلل الرقمي”. كيف لموظف يخضع لشبكة الأجور الرسمية، ولا يتعدى راتبه سقفاً معروفاً، أن يجمع بين عشية وضحاها ثروة عقارية تتوزع بين الفيلات والبقع الأرضية وسيارات؟ إنها معجزة مالية لا تحدث إلا في كواليس الإدارات المحلية التي تغيب عنها آليات الرقابة الصارمة.

هؤلاء الوافدون الذين استقبلتهم المدينة الفتية كأجراء لخدمة المرفق العام، تحول بعضهم إلى “أصحاب عقار” محليين. والخطير في الأمر، أن هذا الثراء لا يظهر في “المنطقة الصفر” التي يشتغلون بها تلافياً للشبهات، بل يمتد عبر أذرع استثمارية وعقارية في مناطق بعيدة، ظناً منهم أن “البُعد الجغرافي” كفيل بحجب الرؤية عن عيون المجتمع والجهات الرقابية.

 

الظاهرة لم تقف عند حدود مراكمة الثروة العقارية، بل تجاوزتها إلى نمط سلوكي يضرب مصداقية المرفق العام في الصميم. فعدد من هؤلاء الموظفين باتوا يقدمون خدمات واستشارات ووساطات “خارج أسوار الإدارة”، مستغلين نفوذهم، شبكة علاقاتهم، واطلاعهم على خبايا الملفات الإدارية والعمرانية. أصبحت الوظيفة العمومية بالنسبة لهم مجرد “واجهة قانونية” أو “بطاقة تعريفية” لتسهيل مصالح خاصة وأعمال موازية تدر الملايين خارج القانون.

تتحول الإدارة هنا من مكان لخدمة المواطن البسيط، إلى “منصة لوجستيكية” لترتيب الصفقات وتوجيه الامتيازات، بينما يظل المواطن ينتظر لساعات من أجل وثيقة بسيطة، لأن “الموظف المحظوظ” مشغول بإدارة إمبراطوريته المالية الخاصة.

 

إن هذا التباين الصارخ بين “الوضعية المادية الأصلية” لهؤلاء وبين “مظاهر البذخ الحالي” يضعنا أمام سؤال مشروع وأخلاقي يفرضه الدستور المغربي الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة: من أين لكم هذا؟

إن تفعيل آليات المجلس الأعلى للحسابات، وتدقيق التصريح بالإجبارية بالممتلكات، لا يجب أن يظل حبراً على ورق أو مقتصراً على المركز. إن تامنصورت والمناطق المحيطة بها بحاجة إلى “زلزال رقابي” ينبش في الأصول المالية، ويفحص الكيفية التي تحولت بها بقع أرضية وشقق إلى ملكيات خاصة لأشخاص كانت قنواتهم المالية الرسمية جافة إلى عهد قريب.

 

المطالبة بفتح تحقيق حول “الاغتناء غير المشروع” للموظفين العموميين بالمنطقة لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من كرامة المرفق العام، وإعادة الهيبة للقانون. فالصمت عن هذه الظواهر ليس حياداً، بل هو تزكية لفساد مقنع يلتهم ثروات المدينة الفتية ويحرم أبناءها من تنمية حقيقية

 

إن الصمت عن “معجزة” الاغتناء السريع لبعض الموظفين لم يعد مقبولاً، ومساءلة الواجهات الإدارية التي تحولت إلى غطاء لمراكمة الثروات أصبحت واجباً صحفياً لكشف المستور.

ولأننا لا نكتفي بملامسة القشور، نضرب لكم موعداً في الحلقات المقبلة من سلسلة “من قاع الخابية”؛ حيث سنغوص بكل جرأة في دهاليز إدارات ومرافق محددة تحول فيها موظفون بقدرة قادر إلى أباطرة عقار وملاك سيارات.

سنكشف بالتحليل والتدقيق كيف تدار المصالح خلف الأبواب المغلقة، ومن يسهل لغز هذا الثراء .. فانتظرونا، فالقادم سيكسر جدار الصمت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.