بالصويرة.. رحلة عذاب يومية لتلاميذ “دوار لفقيه” تسائل ضمير المسؤولين
متابعة: بوجندار_____ عزالدين.
هل أصبحت جغرافيا المغرب العميق لعنة تلاحق أطفالنا؟ وهل تحول الحق الدستوري في التعليم بجماعة أقرمود إلى “امتياز” يتطلب معجزة يومية؟ ما يحدث في دوار لفقيه و الغابة بإقليم الصويرة ليس مجرد مسافة جغرافية مقطوعة، بل هو تجسيد حي لـ”جريمة تدبيرية صامتة” تُرتكب كل يوم في حق الطفولة وأجيال المستقبل.
بينما تُصرف الملايين على المهرجانات والندوات وتلميع الواجهات، يخرج أطفال دوار لفقيه والغابة بجماعة أقرمود في جنح الظلام، ليس لممارسة الرياضة، بل لخوض “رحلة بقاء” تمتد لـ7 كيلومترات من المنحدرات السحيقة والجبال الوعرة. رحلة عذاب يومية فقط من أجل الوصول إلى “شبه نقل مدرسي” لا يصل إلى عتبات بيوتهم. هذا المشهد الصادم، الذي وثقته صرخات الغيورين على المنطقة، يضع الشعارات البراقة لمحاربة الهدر المدرسي في موقف “مخجل” ويسقط أوراق التوت عن كل المتشدقين بالتنمية القروية بالإقليم.
السؤال الحارق الذي يفرض نفسه بقوة على طاولة المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بالصويرة: ما هي المعايير “المقدسة” التي تُعتمد للاستفادة من القسم الداخلي؟
إذا لم يكن تلميذ يقطع 14 كيلومتراً ذهاباً وإياباً وسط الجبال والمسالك غير المصنفة مؤهلاً للاستفادة من الإيواء والداخيلية، فمن يستحقها إذن؟ إن حرمان تلاميذ دوار لفقيه من هذا الحق هو تكريس صارخ للإقصاء الاجتماعي، وتحويل المؤسسات الرعائية إلى هياكل عاجزة عن استيعاب حقيقة المعاناة الميدانية لساكنة الجبال.
المسؤولية السياسية والأخلاقية تقع بالكامل على عاتق المجلس الجماعي لأقرمود والجهات التي تدبر قطاع النقل المدرسي. إن الاكتفاء بوضع خطوط نقل مدرسي على الأوراق دون مراعاة الخصوصيات الجغرافية للدواوير المعزولة هو قمة “العجز التدبيري”.
الساكنة اليوم لا تطالب بصدقة، بل تطالب بحقها المشروعي في فك العزلة عن أبنائها. ووصول هذا الملف إلى ردهات الرأي العام عبر نداءات مستعجلة، ومنها نداءات مستشارين جماعيين عاينوا المأساة، هو دليل قاطع على أن قنوات التواصل التقليدية أغلقت أبوابها في وجه المواطن، ولم يعد أمام المتضررين سوى فضح هذا التقاعس علناً.
أكبر علامات الاستفهام تتوجه مباشرة إلى جمعية أمهات وآباء وأولياء التلاميذ بالمنطقة. أين هو الأثر الميداني لهذا الإطار الذي يفترض أنه لسان حال التلميذ المقهور؟
إن صمت الجمعية أمام مشهد أطفال يصارعون قساوة الطقس والتضاريس يعطي انطباعاً سلبياً للرأي العام، ويحولها في نظر الساكنة من خط دفاع أول إلى “شاهد عيان صامت” يزكي الوضع القائم. إن الجمعيات التي لا تملك الجرأة لرفع ملتمسات حارقة والاحتجاج السلمي والمؤسساتي على حرمان أبنائها من النقل والداخليات، هي جمعيات تحتاج إما إلى “إعادة هيكلة” أو إعلان السكتة القلبية.
إن هذه المعاناة المستمرة هي بمثابة “دفع ممنهج” نحو مغادرة حجرات الدراسة، لاسيما في صفوف الفتيات القرويات اللواتي يدفعن الثمن الأكبر.
الوضع في جماعة أقرمود، وتحديداً بدوار لفقيه، لم يعد يحتمل أنصاف الحلول أو الوعود التسويفية. الأ مر يتطلب تدخلاً حازماً ومباشراً من سلطات الوصاية وعلى رأسها عامل إقليم الصويرة، لإجبار كافة المتدخلين على وضع حد لهذه المأساة وتأمين وصول النقل المدرسي لعمق الدوار أو فتح أبواب الداخليات فوراً. أجيال المستقبل ليست حبراً على ورق في تقاريركم، بل هي أجساد نحيلة تنهكها الجبال كل يوم!