استنزاف “قاتل” لغابات ميدلت.. “رئة الأطلس” تنهار أمام صمت مريب للجهات الوصية
بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر
“مجزرة خضراء” بالأطلس الكبير.. غابات الأرز والبلوط بميدلت تحت مقصلة “مافيا الخشب”
إقليم ميدلت _ بوجندار عزالدين
في الوقت الذي ترفع فيه المملكة شعارات “المغرب الأخضر” ومكافحة التغيرات المناخية، تشهد جبال سيدي حيا ويوسف، وفجاج تونفيت وأنفكو بإقليم ميدلت، استنزافاً “قاتلاً” يهدد بإبادة واحدة من أقدم وأندر المنظومات الغابوية في شمال إفريقيا. أشجار الأرز المعمرة والبلوط الأخضر تسقط تباعاً تحت ضربات “المنشار اليدوي” والنهب المنظم، في ظل تساؤلات حارقة عن دور الجهات الوصية.
ليست مجرد أشجار تسقط، بل هو نظام بيئي كامل يلفظ أنفاسه الأخيرة. ففي أعالي جبال الأطلس الكبير الشرقي، وتحديداً في المناطق الوعرة المحيطة بـ “أنفكو” و”تونفيت”، تحولت الغابات إلى ورشات مفتوحة لـ “مافيا الخشب”. عمليات القطع لا تتوقف، حيث يتم استهداف أشجار الأرز الضخمة التي يتجاوز عمر بعضها مئات السنين، لتحويلها إلى ألواح خشبية تُهرب تحت جنح الظلام صوب المدن الكبرى.
ويؤكد فاعلون جمعويون من المنطقة أن الاستنزاف لم يعد مقتصرًا على الحاجيات البسيطة للسكان من أجل التدفئة، بل تحول إلى “تجارة دماء خضراء” تديرها شبكات منظمة تستغل وعورة التضاريس وقلة الحراسة، مما أدى إلى تعرية مساحات شاسعة من الغطاء الغابوي، تاركة الجبال عرضة للانجراف والزوال.
جبال سيدي حيا ويوسف ليست أحسن حالاً؛ فالبلوط الأخضر، الذي يعتبر الركيزة الأساسية لاستقرار التربة وتوفير الكلأ للماشية، يتعرض لـ “تفحيم” عشوائي واجتثاث لا يرحم. هذا التدمير الممنهج لا يضرب البيئة فحسب، بل يضرب في العمق “الأمن المائي” للمنطقة، حيث تُعتبر هذه الغابات الخزان الرئيسي للمياه التي تغذي الوديان والفرشات الباطنية.
ويصرح أحد أبناء المنطقة بحرقة: “الأرز الذي صمد أمام الثلوج والزمن لقرون، يسقط اليوم في دقائق من أجل دراهم معدودة. ما يحدث في غاباتنا هو جريمة مكتملة الأركان في حق الأجيال القادمة، والصمت عنها تواطؤ غير معلن”.
رغم المجهودات التي تبذلها بعض عناصر المياه والغابات، إلا أن حجم الكارثة يفوق بكثير الإمكانيات المرصودة. فالناشطون البيئيون يطالبون اليوم بـ “تدخل استعجالي” يتجاوز الغرامات البسيطة والمحاضر الورقية، داعين إلى إحداث “مخطط مارشال” لإنقاذ غابات ميدلت، وتفعيل المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة، وتشديد العقوبات القضائية على كبار المهربين وليس فقط “الحطابة” الصغار.
إن إنقاذ أرز وبلوط الأطلس الكبير ليس ترفاً بيئياً، بل هو معركة وجودية. فإذا استمر النزيف في تونفيت وأنفكو بنفس الوتيرة، فإن “عروس الأرز” ميدلت ستتحول قريباً إلى جبال صماء تسكنها الأشباح، بعد أن تُسلب منها روحها الخضراء.
يبقى السؤال المعلق فوق قمم ميدلت: من المستفيد من هذا الصمت المريب تجاه إبادة ثروتنا الغابوية؟ إن القانون الذي لا يحمي أرز الأطلس من منشار المافيا هو قانون يحتاج إلى مراجعة، والجهات التي تغض الطرف عن شاحنات الخشب المهربة هي شريكة في هذه الجريمة البيئية. غابات سيدي حيا ويوسف أمانة في أعناق الجميع، والتاريخ لن يرحم من خان ‘الأمانة الخضراء’ مقابل دراهم معدودة.