في الأنفاس الأخيرة.. الحكومة تنهي احتكار المندوبية السامية لحسابات الإحصاء
بوجندار____عزالدين/ مدير نشر.
متابعة _____خاصة
في خطوة تشريعية لافتة وغير متوقعة، صادق المجلس الحكومي في الأنفاس الأخيرة من عمر ولايته الحالية، على مرسوم يقضي بتغيير مسار إنجاز حسابات الإحصاء العام، مقلصاً بذلك من الصلاحيات التاريخية للمندوبية السامية للتخطيط (HCP) في هذا المجال، وهي الخطوة التي وصفت بالسابقة النوعية بعد أزيد من 23 سنة من الاستقرار العملي والمؤسساتي على هذا النهج.
وجاء هذا التعديل الحكومي المفاجئ ليعيد ترتيب الأوراق داخل المطبخ التدبيري للمؤشرات الإحصائية بالمملكة؛ فمنذ ما يقارب ربع قرن، ظلت المندوبية السامية للتخطيط هي الفاعل الحصري والمهيمن على هندسة، تفريغ، وإعلان نتائج الإحصاءات الرسمية. إلا أن القرار الحكومي الأخير جاء ليضخ دماءً تنظيمية جديدة، ويوزع أدوار تتبع الحسابات وسيرورة الإحصاء على قنوات تنفيذية متعددة، بهدف ما سمته المصادر الحكومية “ضمان فعالية ونجاعة أكبر في معالجة البيانات الوطنية”.
وتعليقاً على هذه الخطوة، اعتبر المحلل السياسي والخبير الدستوري، الأستاذ الشرقاوي، أن هذا القرار ليس مجرد إجراء إداري عابر أو تعديل تقني بسيط، بل يرقى في عمقه وأبعاده التنظيمية إلى مرتبة “شبه تعديل دستوري”.وأوضح الشرقاوي أن هذا التوصيف يستند إلى كون القرار يمس جوهر التوازنات المؤسساتية بالمملكة، عبر إعادة صياغة العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات الاستراتيجية المستقلة المكلفة بالتخطيط. وأضاف الخبير أن توقيت تمرير هذا المرسوم في “الربع ساعة الأخير” من عمر الحكومة يثير الكثير من علامات الاستفهام حول الاستعجالية السياسية التي أملته، مرجحاً أن الهدف الأساسي هو رغبة الحكومة في فرض وصاية أو رقابة أوسع لضمان توافق الحسابات الإحصائية مع الأهداف والبرامج التنموية المسطرة، وتفادي أي “بلوكاج” أو تضارب في القراءات الرقمية مستقبلاً.
وينقسم المتتبعون للشأن الحكومي إزاء هذا القرار إلى تيارين؛ يرى الأول أن حصر مسار إنجاز حسابات الإحصاء وتطويره يواكب الثورة الرقمية وتوصيات النموذج التنموي الجديد التي تطالب بمرونة أكبر في التعامل مع المعطيات الحية (Big Data). وفي المقابل، يتخوف التيار الثاني من أن يؤدي تقليص أدوار المندوبية السامية للتخطيط إلى إضعاف استقلالية المادة الإحصائية بالمغرب، وجعلها تحت رحمة التجاذبات السياسية والأجندات الحكومية المتعاقبة.تبقى الأيام المقبلة كفيلة بكشف الصيغة التنفيذية لهذا المرسوم الجديد، ومدى قدرته على تحقيق “الفعالية” الموعودة دون المساس بمصداقية الحسابات الوطنية التي شكلت دائماً صمام أمان موثوق لدى الشركاء الاقتصاديين والمؤسسات الدولية.