إغرم تودع تاريخها.. جرافات المنجم تمحو دوار “أورياك”

0 9

بوجندار_____عزالدين / مدير نشر.

 

بعد تعويضهم مادياً.. أهالي “أورياك” بإمي نتيارت يودعون منازلهم بمرارة

متابعة _______الامازيغي.

 

في عمق التضاريس الجبلية لجهة سوس ماسة، لم يكن رحيل ساكنة دوار “أورياك” عن منازلهم وأراضيهم مجرد عملية إخلاء عقاري عادية، بل كان أشبه بنزع الروح من الجسد. هناك، في هذا التجمع السكاني العريق التابع لنفوذ جماعة إمي نتيارت بـقيادة إغرم الواقعة ضمن النفوذ الترابي لـإقليم تارودانت، حزم الأهالي أمتعتهم وغادروا مجبرين، تاركين وراءهم تاريخاً حافلاً لا يمكن لدفاتر الشيكات أو لجان التعويض أن تقوّمه بثمن.

قانونياً ومادياً، طُويت صفحة العقار؛ فالشركة المنجمية المستغلة للمنطقة قدمت تعويضاتها المالية للساكنة مقابل التنازل عن دورهم وأراضيهم الفلاحية لتوسيع الأنشطة الاستخراجية، وبدأت الآليات الثقيلة تشق طريقها لتغيير ملامح المكان. لكن خلف هذا المشهد الجاف المقيد بالمحاضر الرسمية والاتفاقيات الثنائية، تكمن حقيقة إنسانية مريرة: هناك أشياء في الحياة تظل ببساطة… بلا ثمن.لقد غادر أهالي “أورياك” بيوتهم الطينية والحجرية التي قاومت السنين بجبال إغرم، لكنهم لم يستطيعوا أخذ “الهوية” التي نبتت بين جدرانها. فالأرض في هذه المداشر السوسية ليست مجرد مساحة جغرافية أو أمتار مربعة تُقاس قيمتها بالدرهم، بل هي ميثاق غليظ، وتاريخ حي، وصوت الأجداد الذي يتردد صداه في سواقي الماء وظلال شجر الأركان العريق.

 

بين أزقة الدوار المهجور اليوم، تفوح رائحة ذكريات الوالدين؛ هنا كبر الصغار، وهنا تقاسم الرعاة لقمة العيش، وهنا دُفنت أسرار أجيال تعاقبت على حماية هذه الأرض وتثبيت جذورها في جبال تارودانت. هذا الارتباط الوجداني العميق جعل من لحظة المغادرة مأساة صامتة، عبرت عنها نظرات الشيوخ الحسيرة وهم يلقون النظرة الأخيرة على عتبات دورهم، ودموع الأمهات اللواتي تركن خلفهن مواقد نار شهدت على تفاصيل عمر كامل.يقول أحد أبناء دوار أورياك بكثير من الشجن: “المال يعوض الجدران والأسمنت، ويشتري شقة في الحاضرة، لكنه لا يشتري رائحة الطين بعد المطر، ولا يعيد جلسات الأجداد، ولا يعوضنا عن دفء الجيرة… لقد أخذنا التعويض مجبرين، لكننا تركنا قلوبنا معلقة هناك”.

 

بينما تستعد جرافات المنجم لمحو ما تبقى من معالم دوار “أورياك” بصيغته القديمة، يواجه الأهالي غداً جديداً في مناطق استقبالهم البديلة؛ غدٌ قد يكون أكثر حداثة وتوفيراً لبعض سبل العيش، لكنه مجرد من تلك الروح والأصالة التي ميزت بلدتهم الأم.تبقى قصة هذا الدوار بجماعة إمي نتيارت نموذجاً حياً للصراع الأزلي بين قطار التنمية الاقتصادية وحتمية الحفاظ على الموروث الإنساني والروحي للمجتمعات القروية ببلادنا؛ صراع تنتهي فيه المعركة الميدانية دائماً لصالح الاستثمار، بينما تظل الذاكرة الجماعية لأهل تارودانت عصية على الهدم والنسيان.

 

يرحل أهالي “أورياك” حاملين غصّة في القلوب، فمهما بلغت لغة الأرقام والتعويضات، يبقى طمس هذا الدوار العريق محواً قاسياً وظالماً لتاريخ طويل خطّه الأجداد بعرقهم على صخور جبال تارودانت. لقـد انتصرت جرافات الاستثمار في هدم الجدران، لكنها لن تفلح أبداً في هدم ذاكرة جماعية حُفرت في عمق الأرض ولن تُمحى بالمال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.