من الحدود الشرقية إلى الفنيدق: كيف تُصدّر الجزائر أزمة المهاجرين للمغرب؟

0 5

متابعة: بوجندار___________ عزالدين.

 

قسم الاخبار/ قراءة في الحدث.

لم يكن الاستنفار الأمني المكثف الذي شهدته مدينة الفنيدق صباح اليوم، السبت 15 غشت، مجرد إجراء روتيني لإحباط محاولة عبور بضع مئات من المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء. إن التحركات المتسارعة للقوات العمومية على طول الخط التماسي مع ثغر سبتة المحتل تعكس في عمقها معركة استخباراتية وميدانية معقدة. المشهد يطرح السؤال الحارق الذي يتفاداه الكثيرون: من هي الجهة الخفية التي تملك القدرة اللوجستية والمالية لتسهيل زحف الآلاف، وتوجيههم كالسهام نحو نقاط حدودية شديدة الحراسة؟

 

الجهة المباشرة والمسؤولة جنائياً وتاريخياً ليست مجرد “حراقة” تقليديين، بل هي كارتيلات دولية للاتجار بالبشر استغلت تكنولوجيا “الجيل الرابع” من الحروب. هذه الشبكات لم تعد تختبئ في الغابات، بل أصبحت تدير غرف عمليات رقمية على منصات التواصل الاجتماعي (تيك توك، واتساب، وتيليغرام). تطلق هذه الجهات “نداءات النفير” الممنهجة، مستغلةً مناسبات وطنية أو عطل رسمية لإشاعة أخبار زائفة تدعي “فتح الحدود”. الهدف من هذا التجييش الجماعي هو إحداث موجات بشارية بشرية متتالية لإنهاك الخطوط الدفاعية للأمن المغربي، واستعمال المهاجرين كدروع بشرية لتمرير شحنات تهريب أخرى في نقاط ميتة.

 

لا يمكن قراءة جغرافيا الهجرة نحو الفنيدق دون نبش “قاع الخابية” السياسي. إن قطع المهاجرين لآلاف الكيلومترات عبر الصحاري والوصول بدقة متناهية إلى أقصى شمال المملكة، يسائل مباشرة سياسة “غض الطرف” الممنهجة التي تمارسها أجهزة دول الجوار (وعلى رأسها الجزائر). تدفق هذه الأعداد الضخمة عبر الحدود الشرقية لا يتم بمحض الصدفة، بل يندرج ضمن استراتيجية غير معلنة لتصدير الأزمات الاجتماعية والسياسية نحو المغرب، ومحاولة استنزافه مالياً ولوجستياً، وتحويل ورقة الهجرة إلى أداة للضغط السياسي الإقليمي.

 

 

 

في المقلب الآخر من المشهد، تبرز المقاربة الأوروبية القاصرة كشريك غير مباشر في استدامة هذه الظاهرة. فرغم أن المغرب يتحمل العبء الأكبر بانتشار ميداني يكلف ميزانية الدولة مئات الملايين من الدولارات لحماية حدود قارة بأكملها، لا تزال بروكسيل ومدريد تتعاملان بمنطق “الشرطي والموزع”. يرفض الاتحاد الأوروبي تقديم دعم حقيقي يوازي حجم التحديات، ويكتفي بسياسة “مسكنات الألم” والوعود الدبلوماسية، متهرباً من فرض عقوبات حقيقية على شبكات التهريب الدولية التي تتخذ من عواصم أوروبية مقرات مالية لإدارة وتبييض أموال هذا التجارة المقيتة.

إن استنفار الفنيدق اليوم يسقط القناع عن اللعبة الكبرى: القوات العمومية المغربية نجحت في صد الهجوم الميداني كالعادة، لكن تجفيف المنابع يتطلب ضرب رؤوس الأفاعي الحقيقية؛ المافيات الرقمية العابرة للقارات، والأنظمة الإقليمية التي تستخدم البشر كأوراق للضغط السياسي.

 

أمام هذا التكالب المفضوح، لا يسعنا إلا أن نقف وقفة إجلال ونثمن عالياً المجهودات الأمنية الاستباقية العالية لأبنائنا في القوات العمومية المغربية الذين أبطلوا هذه المؤامرة الرقمية والميدانية باحترافية مشهود لها عالمياً. وستظل المملكة المغربية شامخة، عصية على الانكسار، وقوة ضاربة تتكسر على أسوارها كل الخطط الدنيئة. إن يقظة وبسالة حماة الوطن في الميدان هي الرسالة الأقوى لكل من يتربص بنا: المغرب ليس حارساً لإرث أحد، بل حصن منيع يحمي سيادته بِيَد، ويبني مستقبله باليد الأخرى، وسيبقى دائماً العقدة التي تعجز الأجندات المشبوهة عن تفكيكها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.