برامج التنمية الترابية المندمجة: نحو مقاربة جديدة !
بوجندار______عزالدين/ المشاهد
متابعة : خالد وخشي باحث في مجال التنمية
تعتبر التنمية الترابية اليوم من أهم الرهانات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها المجتمعات، خصوصا في سياق التحولات التي يعرفها العالم القروي والمجالات الهشة، فالمجال لم يعد مجرد فضاء جغرافي، بل أصبح “نتاجا اجتماعيا” تتقاطع فيه المصالح والتمثلات وعلاقات السلطة..
من هذا المنطلق، فإن أي مشروع تنموي لا يمكن أن ينجح دون فهم البنية الاجتماعية والرمزية للمجال، ودون النظر الى الساكنة كفاعلين وليس كأدوات فقط..
انطلاقا مما سبق يمكن تسليط الضوء على 3 مجالات مهمة لتحليل ومحاولة فهم تفاعل هذه العناصر من خلال ما يلي:
1. الالتقائية كشرط للنجاعة التنموية
يظهر الواقع الميداني أن تعدد المتدخلين في التنمية الترابية يؤدي في كثير من الأحيان إلى تشتت الجهود واستنزاف الموارد، ومن هنا برزت أهمية الالتقائية كآلية استراتيجية لتوحيد الرؤى والبرامج، غير أن الالتقائية ليست مجرد تنسيق إداري، بل هي سيرورة تفاعلية بين فاعلين يحملون رؤى ومصالح مختلفة، لكنها تتقاطع في مشروع جماعي مشترك.
وفي هذا الإطار، يطرح عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو فكرة مهمة، بحيث يعتبر أن الفعل الاجتماعي لا يمكن فهمه إلا داخل شبكة من العلاقات والقوى، أي أن التنمية لا تتحقق الا عندما تتقاطع “إرادات” الفاعلين داخل “مجال اجتماعي” منظم ومفتوح.
2. التنمية حرية
يمكن استحضار فكر الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا صن الذي ربط بين التنمية والحرية، معتبرا أن “التنمية هي توسيع الحريات الفعلية التي يتمتع بها الناس”.
بهذا المعنى، فإن التنمية الترابية المندمجة لا تقتصر على البنيات التحتية أو تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل تتجلى في توسيع قدرة الأفراد والجماعات على الاختيار والمشاركة والتعبير، فكل مشروع تنموي ناجح هو في جوهره مشروع تحرر اجتماعي يفتح أمام الإنسان إمكانات جديدة للحياة الكريمة والمشاركة الفاعلة في صياغة مصيره الجماعي.
من هنا، تصبح الالتقائية بين الفاعلين ليست فقط مسألة تنسيق، بل مسارا ديمقراطيا يهدف إلى توسيع فضاء الحريات.
3. نحو ثقافة تنموية جديدة
إن بناء ثقافة تنموية قائمة على الالتقائية والحوار والحرية يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، فالمجال الترابي فضاء للتفاوض الاجتماعي قبل أن يكون مجالا للتخطيط الإداري،
كما يقول عبد الكبير الخطيبي “لا يمكن أن نفهم المجتمع إلا من خلال حواره مع ذاته”، والتنمية بدورها هي شكل من أشكال هذا الحوار، حيث تلتقي الإرادات الفردية والجماعية حول مشروع حياة مشتركة.
أخيرا، فبرامج التنمية الترابية المندمجة تشكل اليوم فرصة لإعادة صياغة النموذج التنموي على أسس جديدة: الالتقائية، المشاركة، والحرية.. وفرصة كذلك لتجاوز الفهم التقليدي المتمركز على “النمو” الاقتصادي.
ويمكن لبعض المؤسسات العمومية الفاعلة في مجال التنمية الاجتماعية أن تلعب دورا مهما في هذا الإطار، نظرا للخبرة الميدانية التي راكمتها في مجال التخطيط الجماعي وتمويل المشاريع وتقوية قدرات مختلف الفاعلين، ودورها كذلك في مجال الوساطة بين السلطة وبعض الفئات الاجتماعية الهشة.