القضاء المغربي يشدد مساطر إصدار الأحكام: تعليل كامل قبل النطق ضماناً لعدالة شفافة
بوجندار____عزالدين/ المشاهد
متابعة _ أبـــوالاء
في خطوة تعكس توجهاً متجدداً نحو تعزيز جودة العمل القضائي وترسيخ مبادئ المحاكمة العادلة، وجّه الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تعليمات صارمة إلى مختلف المسؤولين القضائيين تقضي بضرورة تحرير المقررات والأحكام القضائية كاملة قبل النطق بها خلال الجلسات العلنية، وذلك في احترام تام للمقتضيات الدستورية والقانونية المؤطرة للعمل القضائي بالمملكة.
ويأتي هذا التوجيه في إطار دوريات رسمية استندت إلى مرجعيات قانونية واضحة، أبرزها المادة 15 من القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، باعتبارها امتداداً عملياً للفصل 125 من الدستور المغربي الذي ينص على إلزامية تعليل الأحكام القضائية وصدورها في جلسات علنية، بما يضمن شفافية العدالة ويكفل حق المتقاضين في الاطلاع على الأسس القانونية والواقعية التي بُنيت عليها القرارات الصادرة بشأنهم.
وأكدت الدورية أن تحرير الحكم بشكل مكتمل قبل النطق به لا يعد إجراءً شكلياً أو تنظيمياً فحسب، بل يمثل ضمانة جوهرية لحسن سير العدالة ولتعزيز الثقة في المؤسسة القضائية، مع مراعاة خصوصية بعض القضايا الزجرية التي تخضع لضوابط مسطرية دقيقة. كما شددت على أن جاهزية القرار القضائي لحظة النطق به تشكل قاعدة أساسية ينبغي احترامها، تفادياً لأي ارتباك أو تأخير قد يمس بصورة العدالة أو بحقوق الأطراف.
وفي السياق ذاته، استحضرت الوثيقة مقتضيات قانون المسطرة الجنائية، خاصة المواد 364 و383-8 و429-1، التي تؤكد ضرورة إعداد الأحكام بشكل مكتمل قبل التصريح بها، مع تحديد آجال قانونية محدودة في الحالات الاستثنائية التي تستوجب تأخير المداولة، على ألا تتجاوز خمسة عشر يوماً، شريطة أن يكون القرار محرراً عند الإعلان عنه.
ويأتي هذا التذكير بعد رصد تفاوت ملحوظ بين بعض المحاكم في مستوى الالتزام بتحرير الأحكام قبل النطق بها، وهو تفاوت اعتبرته الدورية مقلقاً لما قد يترتب عنه من انعكاسات سلبية على ثقة المتقاضين وعلى صورة العدالة، فضلاً عن تأثيره المباشر على مبدأ البت داخل أجل معقول كما يكفله الدستور. فالاكتفاء بمنطوق الحكم دون تعليل مفصل يحد من إمكانية فهم القرار ومراقبته قانونياً، ويضعف فعالية مساطر الطعن، كما يغذي شعوراً بعدم الاطمئنان لدى أطراف النزاع.
ودعت الدورية إلى تعميم مضامينها على كافة القضاة بمختلف محاكم المملكة، مع التشديد على التقيد الصارم بهذه المقتضيات القانونية، وإشعار المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالإكراهات التقنية أو العملية التي قد تعترض حسن تطبيقها، في أفق توحيد الممارسة القضائية والرفع من جودة الأداء القضائي.
ويُنظر إلى هذا التوجيه باعتباره خطوة عملية ضمن مسار ترسيخ دولة القانون وتعزيز الحكامة القضائية، إذ لم يعد الحكم القضائي يُقاس بمنطوقه فقط، بل بمدى سلامة تعليله ودقته واحترامه للزمن القضائي، بما يعزز قناعة المتقاضين والرأي العام بأن العدالة لا تقتصر على إصدار الأحكام، بل تقوم على تسبيبها وكتابتها وإعلانها وفق أعلى المعايير الدستورية والمؤسساتية.