عهد جديد للقضاء: الدستور أولاً، والقانون ثانياً.

0 12

بوجندار______عزالدين/ مدير نشر.

متابعة_______ خاصة.

 

يشكل صدور القانون التنظيمي رقم 35.24، المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7523، منعطفاً حاسماً في مسار استكمال البناء المؤسساتي والحقوقي للمملكة. فهذا النص التشريعي يأتي لتفعيل مقتضيات الفصل 133 من دستور 2011، واضعاً حداً لانتظارية تشريعية دامت لأزيد من عقد من الزمن، ومؤسساً لـ”الرقابة البعدية” على دستورية القوانين عن طريق القضاء.

لطالما ظلت مراقبة دستورية القوانين بالمغرب محصورة في شقها “القبلي” (المادة 132 من الدستور)، والتي تمنح حق الإحالة جهات سياسية محددة حصراً قبل صدور النص. أما اليوم، وبموجب القانون التنظيمي 35.24، فقد تم الانتقال إلى “الرقابة الدفاعية البعدية”، حيث تحول المتقاضي (سواء كان مدعياً أو مدعى عليه، متسماً بصفة شخصية ذاتية أو اعتبارية) إلى فاعل دستوري يملك آليات الطعن في المقتضيات التشريعية التي تمس بحقوقه وحرياته الأساسية أثناء سريان الخصومة القضائية.

 

لتفادي إغراق المحكمة الدستورية بدفوعات كيدية أو واهية قد تؤدي إلى عرقلة السير العادي للعدالة (“المطل القضائي”)، اعتمد المشرع المغربي نظام تصفية ثنائي المستويات :

● غربلة محكمة الموضوع: حيث يرفع الدفع بموجب مذكرة كتابية مستقلة ومسببة. وتتأكد المحكمة حصراً من جدية الدفع، وارتباط المقتضى المطعون فيه بالنزاع، وعدم صدور قرار سابق في موضوعه.

● فلترة محكمة النقض: تحال الدفوع المقبولة إلى محكمة النقض بصفتها أعلى هيئة قضائية بالمملكة، لتتولى دراستها والبت في إحالتها على المحكمة الدستورية داخل أجل قانوني صارم لا يتعدى ثلاثة أشهر.

 

تتجلى القوة القانونية لهذا القانون التنظيمي في الآثار المترتبة عن الحكم بعدم الدستورية. فبناءً على القرار الصادر عن المحكمة الدستورية:

● يتم نسخ أو إلغاء المقتضى التشريعي المخالف للدستور.تسقط القوة الإلزامية للنص بأثر يحدده القرار (سواء كان فورياً أو مؤجلاً)، مما يمنع المحاكم من تطبيقه مجدداً.

● تتحقق العدالة الإنصافية للمتقاضي الذي كان سبباً في إثارة الدفع، عبر استبعاد النص الجائر من نازلته المعروضة على القضاء.

إن تنزيل هذا القانون التنظيمي على أرض الواقع يضع تحديات جسيمة على عاتق الفاعلين في منظومة العدالة:

● السادة القضاة: مطالبون بتبني روح الدستور والانفتاح على فقه القانون الدستوري أثناء فحص جدية الدفوع، دون التوغل في اختصاص المحكمة الدستورية.

● السيدات والسادة المحامون: بصفتهم المساعدين الأولين للقضاء، أصبحوا ملزمين بتطوير مهاراتهم في صياغة “الدفوع الدستورية” والانتقال من الدفوع القانونية الكلاسيكية إلى الدفوع المبنية على الحقوق والحريات الدستورية والاتفاقية.

 

إن القانون التنظيمي رقم 35.24 ليس مجرد مسطرة قضائية إضافية، بل هو وثيقة حقوقية تعزز الأمن القانوني والقضائي للمواطنين والمستثمرين على حد سواء. إنه يمثل الانتقال الفعلي من “دولة القانون” إلى “دولة الحق والعدالة الدستورية”، حيث يعلو الدستور واقعاً وممارسة فوق كل التشريعات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.