الوزير وهبي والزمن القضائي.. الإصلاح من النص إلى الواقع
بقلم: بوجندار_______ عزالدين.
حين تطول المسافة بين رفع الدعوى وصدور الحكم، يصبح الزمن عبئاً إضافياً على المتقاضي، وقد يتحول الانتظار إلى معاناة حقيقية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحقوق مالية أو نزاعات أسرية أو ملفات ترتبط بمصالح المواطنين واستقرارهم الاجتماعي. فليس كل حكم متأخر مجرد ملف ينتظر دوره، بل قد تكون وراءه أسرة تنتظر الإنصاف، أو مواطن أنهكه التنقل بين المحاكم، أو صاحب حق يخشى أن يفقد الزمن جزءاً من قيمة حقه.
من هنا، يكتسب النقاش حول الزمن القضائي وضرورة تقليص آجال التقاضي أهمية خاصة، ويستحق تثمين كل مجهود مؤسساتي يروم معالجة الإشكالات المرتبطة بتدبير المساطر وتحديث الإدارة القضائية، وفي مقدمتها الأوراش التي تدافع عنها وزارة العدل بقيادة عبد اللطيف وهبي.
لا يمكن إنكار أهمية إثارة ملف بطء الإجراءات القضائية داخل المؤسسات الدستورية، لأن الاعتراف بوجود تحديات مرتبطة بالمساطر والتبليغ والتنفيذ وتدبير الملفات يمثل خطوة ضرورية نحو البحث عن حلول عملية.
وقد سبق لوزارة العدل أن قدمت توجهات إصلاحية تروم تبسيط المساطر المدنية، وتقليص الآجال، وتوسيع استعمال الوسائل الإلكترونية، وتعزيز فعالية تنفيذ الأحكام. وهي أهداف تستحق التثمين، بالنظر إلى ما يمكن أن تحققه من تحسين لظروف التقاضي وتيسير لولوج المواطنين إلى العدالة.
ويُحسب لعبد اللطيف وهبي انخراطه في النقاش العمومي حول تحديث الإدارة القضائية وتطوير الوسائل المعتمدة في تدبير الإجراءات، غير أن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بما يُعلن عنه من مشاريع أو تعديلات تشريعية، بل بما يلمسه المواطن فعلياً من تحسن في الخدمات وتقليص للتأخيرات غير المبررة.
إن البحث الاستقصائي في أسباب طول أمد التقاضي يقتضي التمييز بين مسؤوليات وزارة العدل المرتبطة بالإدارة والموارد والتجهيز والرقمنة، وبين اختصاصات السلطة القضائية في تدبير القضايا والبت فيها، مع مراعاة الأدوار التي تضطلع بها النيابة العامة وكتابة الضبط والمحامون ومساعدو القضاء، كل بحسب اختصاصه القانوني.
وقد أثيرت، في مناسبات برلمانية، إشكالات مرتبطة بنقص الموارد البشرية بالمحاكم، وتأثير ضغط العمل على معالجة الملفات وتنفيذ الأحكام. وهي معطيات تجعل من الضروري التحقق من توزيع الموارد البشرية وحجم الملفات والخصاص المسجل في كل محكمة، بدل اختزال المشكلة في جهة واحدة.
وهنا تبرز أسئلة تستحق أجوبة دقيقة: ما متوسط المدة التي تستغرقها القضايا بحسب نوعها والمحكمة المعنية؟ وما حجم الملفات المتراكمة؟ وما الأسباب الأكثر تكراراً لتأجيل الجلسات؟ وكم يستغرق تنفيذ الأحكام بعد صدورها؟ وهل تتوفر المحاكم على الموارد البشرية والتقنية اللازمة لمواجهة الضغط المتزايد.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة، استناداً إلى بيانات رسمية قابلة للتحقق، ستسمح بتحديد مكامن التأخر ووضع حلول مناسبة لكل حالة، عوض الاكتفاء بالتشخيص العام.
من بين الأوراش التي تستحق الاهتمام، اعتماد الوسائل الرقمية لتيسير الإجراءات وتبادل الوثائق وتتبع الملفات. فالرقمنة، إذا نُفذت بشكل متكامل، يمكن أن تقلل بعض الأعباء الإدارية، وتحد من التنقلات غير الضرورية، وتحسن التواصل بين مختلف المتدخلين في العملية القضائية.
لكن الرهان الحقيقي يظل في ضمان استفادة المحاكم والمتقاضين من هذه الوسائل على أرض الواقع، مع تأهيل الموظفين، وتوفير التجهيزات، وحماية المعطيات الشخصية، ومراعاة أوضاع المواطنين الذين يواجهون صعوبات في استعمال الخدمات الرقمية.
كما أن تحديث المساطر لا ينبغي أن يتحول إلى سباق مع الزمن على حساب جودة الأحكام أو حقوق الدفاع. فالعدالة المطلوبة ليست مجرد عدالة سريعة، وإنما عدالة منصفة، معللة، تحترم القانون وتضمن لكل طرف حقه في الدفاع.
إن الإنصاف يقتضي تثمين المبادرات الرامية إلى إصلاح منظومة العدالة، كما يقتضي في المقابل إخضاع نتائجها للتقييم الموضوعي. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة عدد النصوص القانونية التي جرى إعدادها، بل يريد أن يعرف ما إذا كانت هذه النصوص والإجراءات قد ساهمت في تقليص مدة الانتظار وتحسين جودة الخدمات القضائية.
ومن هذا المنطلق، فإن مواصلة وزارة العدل أوراش التحديث والرقمنة وتطوير الإدارة القضائية تستحق المتابعة والتقييم، مع ضرورة التنسيق المؤسساتي مع السلطة القضائية وباقي المتدخلين، احتراماً لاستقلال القضاء وتكامل الاختصاصات.
والمطلوب اليوم هو نشر مؤشرات واضحة، كلما أمكن ذلك قانونياً ومؤسساتياً، بشأن آجال معالجة القضايا، وحجم الملفات المتراكمة، ونسب تنفيذ الأحكام، ومدى تقدم مشاريع الرقمنة، حتى يتمكن الرأي العام من الوقوف على النتائج الفعلية للإصلاح.
إن الزمن القضائي ليس مجرد نقاش تقني بين المختصين، بل قضية تمس ثقة المواطن في المؤسسات وقدرته على استرداد حقوقه داخل أجل معقول. ولذلك، فإن تثمين مجهودات وزير العدل عبد اللطيف وهبي في مجال الإصلاح ينبغي أن يترافق مع مواصلة العمل وتقييم النتائج، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاكتفاء بالوعود.
فإذا كان التشريع يضع القواعد، والرقمنة توفر الوسائل، والموارد البشرية تضمن استمرارية المرفق، فإن تحقيق العدالة داخل أجل معقول يظل مسؤولية مؤسساتية تتطلب تعاوناً فعالاً بين جميع الجهات المختصة، دون المساس باستقلال السلطة القضائية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: متى سيبدأ المواطن المغربي في لمس الأثر المباشر للإصلاح على مدة قضيته، وسهولة إجراءاته، وسرعة تنفيذ الحكم الصادر لفائدته؟
ذلك هو المعيار الحقيقي لنجاح أي إصلاح قضائي: أن يشعر المواطن بأن حقه لا يضيع بين تعقيدات المساطر وطول الانتظار، وأن العدالة ليست فقط حكماً يصدر في النهاية، بل مساراً منصفاً وفعالاً يحفظ الحقوق ويعزز الثقة في المؤسسات.
من قاع الخابية.. إصلاح العدالة لا يُقاس بالشعارات، بل بمدى حماية الحقوق وتقليص الانتظار وتحقيق الإنصاف.