• مويس “ساحر اليد”: تاريخ يمشي على قدمين وغصة على واقع اللعبة

0 6

بقلم: بوجندار______ عزالدين.

 

نادراً ما تجود الملاعب الرياضية بأسماء تتجاوز صفة “اللاعب الجيد” لتصبح “ظاهرة” قائمة بذاتها. وفي تاريخ كرة اليد المغربية، يظل اسم نور الدين مويس (أو لمويس) علامة فارقة، وأيقونة تختزل الزمن الذهبي للعبة. لم يكن مجرد عميد للمنتخب الوطني أو لاعباً بارزاً في صفوف أندية مدينة مراكش، بل كان مهندس الإنجاز التاريخي غير المسبوق الذي لا يزال صامداً في خزينة الرياضة الوطنية كأول وآخر لقب قاري للأندية المغربية.

 

ولد نور الدين مويس سنة 1958 في أعرق أحياء المدينة الحمراء، “حومة قصيبة النحاس” بالقصبة. في هذا الفضاء المراكشي الخالص، نمت موهبته الرياضية الأولى، حيث أبان في طفولته عن قدرات بدنية لافتة شملت ألعاب القوى وكرة السلة. غير أن المنعطف الحاسم في مسيرته كان في فضاءات الرياضة المدرسية؛ وتحديداً في ثانويتي “ابن عباد” و”الحسن الثاني”.

في تلك الفترة، رصدته أعين خبيرة شكّلت النواة الأولى لتأطير كرة اليد في مراكش، وعلى رأسهم أستاذ التربية البدنية عبد الكبير العيطوني، والأب الروحي للعبة الراحل أحمد بومديل. سرعان ما تم إلحاق مويس بنادي بريد مراكش، الذي كان يعيش أزهى فتراته ويضم عمالقة اللعبة على الصعيد الوطني.

في الملاعب، لُقّب مويس بـ “الساحر”. وبحسب شهادات معاصريه ومنافسيه، كان يمتلك تكنيكاً فريداً وخارقاً للعادة في الارتقاء (Détente)؛ إذ كان قادراً على البقاء معلقاً في الهواء لثانية إضافية بعد ارتقاء مدافعي الخصم، مما يتيح له تسديد الكرة بدقة متناهية وإيداعها الشباك دون مضايقة.

هذه المؤهلات جعلت منه القائد الطبيعي لـ المنتخب الوطني المغربي وعميده لسنوات طويلة، حيث قاد النخبة الوطنية في محافل دولية وقارية كبرى، مواجهاً أعتى المدارس الإفريقية بروح قتالية عالية وبأخلاق رياضية رفيعة جعلته محط احترام الجميع.

 

مع أفول نجم فريق البريد، انتقل مويس إلى قلعة الكوكب المراكشي ليقود الفريق كلاعب، ثم كمدرب وقائد تقني. وتوج مع النادي بالعديد من ألقاب البطولة الوطنية وكأس العرش.

لكن المحطة التي خلدت اسمه في السجل الذهبي للرياضة الإفريقية كانت سنة 1996 بمدينة مكناس. في تلك البطولة الإفريقية للأندية الفائزة بالكؤوس، نجح المدرب نور الدين مويس في قيادة الكوكب المراكشي للتتويج باللقب القاري. هذا الإنجاز ليس مجرد بطولة عابرة، بل هو اللقب الإفريقي الوحيد والفريد في تاريخ كرة اليد المغربية على مستوى الأندية. وبذلك، دخل مويس التاريخ كأول وآخر مدرب مغربي يرفع هذا الكأس الثمين.

لم تمنع النجومية الرياضية نور الدين مويس من بناء مسار مهني متميز يتسم بالانضباط. فقد اشتغل لإطارٍ لسنوات طويلة في شركة الخطوط الملكية المغربية (RAM) بمطار مراكش المنارة. وبفضل جديته وكفاءته، تدرج في المسؤوليات ليُعين في نهاية مشواره المهني رئيساً للمحطة (Chef d’escale) في مطار أمستردام بالعاصمة الهولندية.

 

في خريف العمر، وبمشاعر الغيرة على اللعبة التي أعطاها زهرة شبابه، لا يخفي مويس تألمه من واقع كرة اليد المغربية المعاصرة وتراجع إشعاعها القاري. وقد صرّح في لقاءات إعلامية بأنه يتألم كثيراً وهو يتابع تراجع مستويات المنتخبات الوطنية، مؤكداً أن الجيل الذهبي حقق المعجزات والألقاب في ظروف وإمكانيات عادية جداً مقارنة باليوم.

يبقى نور الدين مويس نموذجاً حياً للمثقف الرياضي، والرمز الذي جمع بين العبقرية التقنية داخل القاعة المغطاة، والاستقامة والأخلاق العالية خارجها. إنه باختصار تاريخ يمشي على قدمين، تستحق مسيرته أن تُدّرس للأجيال الصاعدة كدرس في العطاء والتميز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.