مؤتمر مراكش..المحاماة وسيادة القانون، امتحان المصداقية

0 5

متابعة : بوجندار______ عزالدين.

 

استقبلت مدينة مراكش، يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، المؤتمر السنوي السبعين للاتحاد الدولي للمحامين، المنظم تحت الرعاية الملكية السامية، في موعد دولي يجمع مهنيين وخبراء قانونيين من مختلف أنحاء العالم. غير أن أهمية هذا الحدث لا ينبغي أن تختزل في الصور الرسمية والخطابات الاحتفالية، ولا في إبراز قدرة المدينة الحمراء على احتضان التظاهرات الكبرى، بل تستحق أن تفتح نقاشاً أعمق حول مكانة المحاماة ودورها في حماية الحقوق والحريات وترسيخ سيادة القانون.

 

من قاع الخابية، لا يتعلق السؤال فقط بما يحققه المؤتمر من إشعاع دولي للمغرب ومراكش، وإنما أيضاً بما يمكن أن تتركه مثل هذه اللقاءات من أثر حقيقي في الممارسة القانونية، وتطوير مهنة المحاماة، وتعزيز استقلاليتها، وصون حق المواطن في الدفاع والمحاكمة العادلة.

 

 

لا شك أن احتضان مراكش لهذا الموعد المهني الدولي يعكس مؤهلاتها في استقبال الفعاليات الكبرى، ويمنح المحامين المغاربة فرصة للانفتاح على تجارب قانونية مختلفة، وتبادل الخبرات مع نظرائهم من مختلف البلدان.

لكن الإشعاع الحقيقي لأي تظاهرة من هذا الحجم لا يقاس فقط بعدد المشاركين أو جنسياتهم، ولا بما تحققه من حضور إعلامي وسياحي، بل بمدى قدرتها على إنتاج أفكار ومبادرات عملية تسهم في تطوير المهنة وتحسين أداء منظومة العدالة.

فهل ستتحول النقاشات التي يحتضنها المؤتمر إلى توصيات قابلة للتنزيل؟ وهل ستجد القضايا المرتبطة بحقوق الدفاع، واستقلالية المحامي، وتيسير الولوج إلى العدالة، المكانة التي تستحقها في مخرجات هذا اللقاء الدولي؟

إنها أسئلة مشروعة تفرضها أهمية الحدث، وتستحق أجوبة تتجاوز لغة المجاملة إلى تقييم النتائج والأثر.

 

 

تظل المحاماة إحدى الركائز الأساسية لضمان المحاكمة العادلة وحماية حقوق المتقاضين، باعتبارها مهنة تقوم على الدفاع عن الحقوق والمصالح المشروعة، في إطار احترام القانون وأخلاقيات الممارسة المهنية.

ومن هنا، فإن الحديث عن تطوير المحاماة لا ينبغي أن ينفصل عن التحديات التي تواجهها، سواء تعلق الأمر بضمان استقلالية المهنة، أو تعزيز التكوين المستمر، أو مواكبة التحولات الرقمية، أو تحقيق التوازن بين نجاعة العدالة واحترام حقوق الدفاع.

كما أن الدفاع عن استقلالية المحاماة لا يعني إعفاء المهنة من المساءلة الأخلاقية والمهنية، بل يقتضي ترسيخ المسؤولية والشفافية واحترام القانون، بما يحفظ ثقة المواطنين في العدالة ومؤسساتها.

 

 

إن تنظيم المؤتمر تحت الرعاية الملكية السامية يمنح هذه التظاهرة مكانة مؤسساتية ورمزية خاصة، ويشكل مناسبة لإبراز حضور المغرب في فضاءات الحوار القانوني الدولي.

غير أن قيمة هذه الرعاية تزداد حين تقترن بمخرجات عملية تعزز التعاون بين الهيئات المهنية، وتفتح آفاقاً جديدة لتبادل الخبرات، وتدعم المبادرات الرامية إلى حماية الحقوق والحريات وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.

فالمطلوب ليس فقط أن تكون مراكش قبلة للمحامين والخبراء الدوليين، بل أن تكون أيضاً فضاءً لنقاش جاد حول التحديات الحقيقية التي تواجه العدالة، وأن تسهم التجارب المتبادلة في بلورة حلول عملية تستجيب لانتظارات المواطنين والمهنيين.

 

 

إن انعقاد المؤتمر السنوي السبعين للاتحاد الدولي للمحامين بمراكش يشكل فرصة مهمة لتعزيز إشعاع المغرب القانوني والمهني، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً: ماذا بعد انتهاء الجلسات وتفرق الوفود؟

هل ستبقى النتائج في حدود التوصيات العامة، أم ستتحول إلى مبادرات ملموسة لتطوير الممارسة المهنية، وتعزيز استقلالية المحاماة، وتكريس الحق في الدفاع، وتوسيع التعاون القانوني الدولي؟

 

تلك هي المعايير التي ينبغي أن يُقاس بها نجاح مثل هذه المواعيد، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الخطابات الاحتفالية.

فمن قاع الخابية، يبقى الرهان الحقيقي أن تكون مراكش أكثر من عاصمة مؤقتة للمحاماة الدولية؛ أن تكون محطة لإنتاج الأفكار، وتبادل الخبرات، وتعزيز ثقافة الحقوق، وأن يترك هذا المؤتمر أثراً يتجاوز أيام انعقاده إلى واقع العدالة ومهنة المحاماة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.