العنف والتشهير.. النيابة العامة بسيدي قاسم تتحرك
بقلم: بوجندار _____عزالدين
أعاد شريط فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر شخصاً مكبل اليدين إلى شجرة ويتعرض للعنف والتصوير، النقاش حول حدود التصرف الفردي في مواجهة الأفعال المشتبه في كونها جرائم، ومدى احترام كرامة الإنسان وحقوقه، حتى عندما يتعلق الأمر بشخص يشتبه في تورطه في السرقة.
وفي بلاغ للرأي العام صادر بتاريخ 28 أكتوبر 2026، أعلن وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بسيدي قاسم أن النيابة العامة أمرت بفتح بحث قضائي فور رصد الشريط، عهد به إلى المركز القضائي للدرك الملكي بسيدي قاسم، للكشف عن ظروف الواقعة وملابساتها وتحديد المسؤوليات القانونية المحتملة.
وفق المعطيات الواردة في البلاغ، تعود الواقعة إلى 11 شتنبر 2026، حين جرى ضبط الشخص الظاهر في الفيديو في سياق الاشتباه في سرقته محاصيل زراعية لم يحن موعد جنيها بعد. وأشار البلاغ إلى أن الواقعة المتعلقة بالسرقة سبق أن خضعت لبحث قضائي، وصدر بشأنها حكم بإدانة المعني بالأمر.
غير أن وجود حكم في قضية السرقة لا يمنح أي شخص الحق في احتجاز الآخرين أو تعريضهم للعنف أو التشهير بهم خارج المساطر القانونية. فالتصدي للأفعال الإجرامية يظل من اختصاص الجهات المخول لها قانوناً، بينما تبقى حماية السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية واجباً لا يسقط بسبب الاشتباه في ارتكاب جريمة أو حتى الإدانة بشأنها.
ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن مواجهة مخالفة القانون بممارسات قد تشكل بدورها أفعالاً يعاقب عليها القانون؟
وأوضح بلاغ النيابة العامة أن الأبحاث أسفرت عن توقيف ثلاثة أشخاص يشتبه في صلتهم بالواقعة، ووضعهم تحت تدبير الحراسة النظرية في إطار البحث.
وبعد تقديمهم أمام النيابة العامة بتاريخ 28 أكتوبر 2026، تقررت متابعتهم من أجل جنح تتعلق بقبض شخص واحتجازه دون أمر من السلطات المختصة، والإيذاء العمدي، والتهديد، والعنف، وبث وتوزيع صور شخص بقصد التشهير به.
كما تقررت إحالتهم على المحكمة قصد محاكمتهم وفق الضمانات المقررة قانوناً، مع وجود أحدهم في حالة اعتقال، فيما يتابع الآخران في حالة سراح مقابل كفالة مالية، وفق ما جاء في البلاغ.
وتظل هذه المتابعات اتهامات معروضة على القضاء، ولا تعني ثبوت المسؤولية الجنائية للمعنيين بالأمر قبل صدور أحكام قضائية نهائية وفق القانون.
إن خطورة هذه الواقعة لا تتوقف عند مضمون الفيديو، بل تمتد إلى الرسالة التي قد يبعث بها تحويل شخص إلى موضوع للعنف والتصوير والتشهير، وكأن الاشتباه في ارتكاب السرقة يبرر إهدار الكرامة أو تجاوز المساطر القانونية.
فحماية ممتلكات المواطنين ومحاربة السرقة مطلب مشروع، لكنهما لا يتعارضان مع احترام القانون. ومن حق المتضررين التبليغ عن الجرائم وتقديم الأدلة إلى الجهات المختصة، وليس من حق أي طرف أن يحل محل القضاء أو أن يفرض العقاب بوسائله الخاصة.
كما أن نشر صور الأشخاص بقصد التشهير بهم يثير إشكالات قانونية وأخلاقية، خصوصاً عندما يتحول المحتوى المتداول إلى وسيلة للمساس بكرامة الأشخاص قبل استكمال الإجراءات القضائية اللازمة.
إن سيادة القانون تعني أن الجميع خاضع له، سواء تعلق الأمر بمن يشتبه في ارتكابه السرقة، أو بمن يشتبه في ممارسته العنف أو الاحتجاز غير القانوني. فلا يجوز تبرير فعل غير مشروع بفعل آخر، ولا يمكن بناء العدالة على الانتقام أو التشهير.
الخلاصة: إن تحرك النيابة العامة وفتح البحث في الواقعة يؤكدان أهمية الاحتكام إلى المؤسسات المختصة لكشف الحقيقة وترتيب الآثار القانونية اللازمة. ويبقى الرهان هو ترسيخ ثقافة تحمي ممتلكات المواطنين وكرامتهم في الآن نفسه، وتؤكد أن تطبيق القانون لا يكون بالاعتداء عليه، بل باحترامه.
من قاع الخابية.. لا أحد فوق القانون، ولا أحد يفقد حقه في الكرامة بسبب اتهام أو إدانة.
بقلم: بوجندار __عزالدين / جريدة المشاهد