الجهات الوصية في “دار غفلون”.. والمحسنون هم “الوزارة الحقيقية” على أرض الواقع

0 43

بوجندار_____عزالدين / مدير نشر

المقال الخامس والثلاثون بعد ثلاثمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: بين “لايفات” الاستغاثة وسخاء البسطاء.. قطاعات حيوية تعيش على “الصدقة” لا على الميزانية

 

في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات “الدولة الاجتماعية” وتُخصص الميزانيات الضخمة للقطاعات الخدمية، يكشف الواقع في المداشر والمدن عن حقيقة مغايرة؛ مرضى يصارعون الموت على عتبات المستشفيات ولا يجدون ملاذاً إلا “صينية” المحسنين أو نداءات الاستغاثة عبر الجمعيات. هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: أين هي الجهات الوصية، وهل أصبح “الإحسان” شماعة لتعليق تقصير الإدارة.

ليس غريباً أن تجد في كل حي أو قرية مسجداً شامخاً، لكن الغريب أن تجد أن “وزارة الأوقاف” لا تظهر في الصورة إلا بعد انتهاء الأشغال لوضع الأقفال أو تعيين الإمام. المواطن الذي يقتطع من لقمة عيشه للمساهمة في بناء بيت الله، يسأل بمرارة: إذا كان المحسنون هم من يقتنون الأرض، وهم من يشرفون على البناء والترميم، فما هو الدور الفعلي للجهة الوصية؟ وهل دورها يقتصر فقط على “الضبط” والتدبير الإداري بعد أن يكتمل الصرح بمال الشعب؟

المشهد الأكثر قتامة يتجلى في قطاع الصحة. عندما نرى مريضاً يحتاج لعملية جراحية مستعجلة أو دواء للسرطان، ولا يجد مخرجاً إلا عبر “لايف” على فيسبوك أو تدخل جمعية مدنية، فنحن أمام “سكتة قلبية” للمرفق العمومي. المحسنون والجمعيات يقومون بدور “البطل المنقذ”، لكن هذا الدور في عمقه هو إدانة صارخة لوزارة الصحة. فالعلاج حق دستوري وليس “صدقة” تُمنح لمن حالفه الحظ ووصل صوته للمحسنين.

إن الاعتماد المفرط على العمل الإحساني لسد الثغرات التنموية يطرح علامات استفهام حول مآل الضرائب والميزانيات المرصودة. الاستقصاء في هذا الجانب يكشف عن نوع من “التواكل الإداري”؛ حيث باتت بعض الجهات الوصية تتعامل مع تدخل المحسنين كأمر واقع يعفيها من بذل الجهد أو توفير الميزانية.

هذا الوضع خلق تفاوتاً صارخاً؛ فالمناطق التي يغيب عنها “المحسنون الكبار” تظل بلا مساجد لائقة وبلا مستوصفات مجهزة، مما يكرس “تنمية بسرعتين”: تنمية يقودها سخاء الأفراد، وتهميش يسببه صمت المؤسسات.

لا يمكن لأحد أن ينكر فضل المحسنين والجمعيات، فهم “صمام أمان” السلم الاجتماعي، لكن لا يجب أن يتحولوا إلى “دولة موازية” تقوم بكل شيء. المطلوب من الجهات الوصية الاستيقاظ من غفوتها، والابتعاد عن منطق “الفرجة” على مبادرات المواطنين.

إن الدولة القوية هي التي تبني مؤسساتها بمالها العام ومخططاتها المدروسة، وتترك الإحسان كقيمة مضافة لا كعمود فقري. فالمواطن الذي يؤدي واجباته، ينتظر من “الجهات الوصية” أن تؤدي مهامها بكرامة، لا أن تتركه يتسول حقه في الصلاة أو العلاج على أبواب “أهل الخير”.

 

ملي يولي المُحسن هو اللي كيبني وهو اللي كيداوي.. المسؤول لاش كاين؟ لابد من قول كلمة حق تنفذ إلى “قاع الخابية”: إن استمرار هذا الوضع ليس دليلاً على تضامن المجتمع بقدر ما هو “شهادة وفاة” لنجاعة التدبير لدى الجهات الوصية. ليس من الكرامة في شيء أن نترك المواطن “يسعى” حقه في العلاج خلف شاشات الهواتف، أو ننتظر من محسنين يتبرعون لبناء مسجد في حي تملكه الدولة.

الرسالة المباشرة لكل مسؤول يجلس خلف مكتبه الوثير: “الإحسان” خُلق كريم وواجب ديني، لكنه أبداً لا يجب أن يكون “ستاراً” يغطي عجزكم أو “عكازاً” تتكئ عليه ميزانياتكم المعطلة. المواطن لا يحتاج “صدقة” من دولتكم، بل يحتاج “مؤسسات” تحترم آدميته وتصون كرامته بماله العام الذي يُدفع من عرقه. كفى من سياسة “الفرجة” وترك الحبل على غارب المحسنين؛ فالدولة التي تُبنى على “الصدقات” تظل دائماً رهينة للصدفة، بينما الدولة التي تُبنى على “المسؤولية والمحاسبة” هي وحدها التي تضمن البقاء والارتقاء

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.