فجوة “المنطلق والوصول”.. منتخبون في مواجهة “من أين لك هذا؟”

0 33

بوجندار____عزالدين / مدير نشر

المقال الستون بعد ثلاثمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: زواج المتعة بين السلطة والبيزنس: كيف تتحول “الإنّابة” إلى مصنع للثروات السريعة بمراكش؟

 

في كواليس المشهد السياسي المغربي، لم يعد صعود الثروات يثير الدهشة لمجرد كونه “نجاحاً مالياً”، بل لأن المسافات الفاصلة بين نقطة الصفر الاستثمارية، وبلوغ قمة النفوذ المالي والسياسي، باتت تُقطع في “سنوات معدودة” وعلى متن قطار الانتخابات والمجالس الجماعية. مدينة مراكش، بحمولتها السياحية والعقارية الضخمة، تحولت في الآونة الأخيرة إلى مختبر حيّ يسائل هذه الظاهرة، حيث يتشابك “الميساج السياسي” بـ”رقم المعاملات”، وتتحول مقاعد التمثيلية المحلية والبرلمانية إلى مفاتيح سحرية لفتح مغاليق الصفقات الكبرى.

 

التقارير الرسمية للمجلس الأعلى للحسابات والحقوقية المرفوعة مؤخراً إلى رئاسة النيابة العامة، والبيانات الصادرة عن “التنسيقية المحلية لمناهضة الفساد بمراكش”، لا تتحدث عن مجرد اختلالات معزولة، بل تضع اليد على ما يشبه “السيستم” أو الشبكة المعقدة التي تجمع منتخبين ومضاربين. في هذا العالم المغلق، لا تُبنى الثروة من خلال مغامرات تجارية كلاسيكية، بل عبر آليتين رئيسيتين:

■ هندسة الصفقات العمومية: الاستغلال الممنهج لـ “المعلومة القبيلة”. فالمنتخب المطلع على تفاصيل برامج التهيئة والخطط التنموية للمدينة، يملك ميزة لا يملكها أي مستثمر عادي. ومن هنا تفجرت التساؤلات والشكايات حول صفقات كبرى حركت ملايير السنتيمات، مثل المشاريع المرتبطة ببرنامج “مراكش الحاضرة المتجددة” (الذي رُصدت له ميزانية تفوق 600 مليار سنتيم)، وكذا بعض صفقات مؤتمر “كوب 22”.

■ السطو بغطاء الاستثمار: تفويت العقار العمومي التابع للدولة أو للجماعات الترابية بأثمنة بخسة تحت لافتة “تشجيع الاستثمار وتحريك عجلة التنمية”، ليتحول هذا العقار بقدرة قادر وبشكل متسارع إلى مشاريع عقارية خاصة أو تجزئات للمضاربة تدرّ أرباحاً خيالية.

 

إن الصدمة الحقيقية لدى المتلقي المراكشي والمغربي عموماً، لا تأتي من وجود “رجال أعمال في السياسة”، بل من “سياسيين صنعوا من السياسة أكبر بيزنس”. الفجوة شاسعة بين السيرة الذاتية لبعض هؤلاء قبل ولوج المجالس حيث كان جلهم يعيش وضعاً مادياً عادياً أو بسيطاً، وبين واقعهم الحالي الذي يتسم بامتلاك وداديات عقارية، وسيارات فارهة، وأرصدة بنكية تسائل بشكل مباشر نجاعة “قانون التصريح بالإجبارية بالممتلكات” وجدوى آليات المراقبة لـ “المجلس الأعلى للحسابات”.

 

لم تعد المسألة مجرد شبهات فساد إداري، بل أصبحت تهدد البنية التنموية للمدينة الحمراء؛ إذ يرى الفاعلون الجمعويون أن هذا “الجشع” فوت على مراكش فرصاً حقيقية للتحول إلى قطب اقتصادي يستفيد منه المواطن البسيط، وليس فقط النخبة التي تدبر الشأن العام. الكرة الآن في مرمى القضاء وجهاز النيابة العامة لتفكيك هذه الشبكات، والانتقال من مرحلة “رصد الاختلالات في التقارير” إلى مرحلة “ربط المسؤولية بالمحاسبة” على أرض الواقع.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.