قنابل موقوتة: مصانع كبرى بمراكش بلا إطفاء أو إسعاف!

0 77

بوجندار____عزالدين/ مدير نشر

متابعة _____الامازيغي

 

في الوقت الذي تتسابق فيه الشركات الكبرى والمصانع الضخمة بمراكش أسي المسؤول عن القطاع، لتحديث خطوط إنتاجها وزيادة أرباحها، يسقط من حسابات بعضها ركن أساسي لا تستقيم بدونه ديمومة أي نشاط اقتصادي: منظومة السلامة والصحة المهنية ومكافحة الحرائق. إن معاينة واقع بعض الوحدات الإنتاجية الكبرى تكشف عن ثغرة تنظيمية وقانونية فادحة، تتمثل في الغياب التام لخدمات الإسعافات الأولية المؤسسية ومصالح الإطفاء الذاتي، مما يحول هذه المنشآت إلى بيئات عمل عالية المخاطر وقنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.

 

تتعامل الإدارات التنفيذية أسي المسؤول في بعض الشركات مع تجهيز وحدات إسعاف داخلية أو توظيف فرق إطفاء متخصصة ومتفرغة كـ “تكلفة مالية زائدة” يمكن الاستغناء عنها والاعتماد البديل على الخدمات العمومية للدولة (الوقاية المدنية / الإسعاف الوطني). هذه الرؤية القاصرة تغفل حقيقة علمية وعملية صلبة في إدارة الكوارث، الـ 10 دقائق الأولى هي الفاصلة بين الاحتواء والرماد، وبين الحياة والموت. فالمصانع الكبرى، خاصة تلك التي تتعامل مع المواد الكيميائية، أو النسيج، أو البلاستيك، أو المنتجات الخشبية، تتميز بظاهرة “الاشتعال السريع ومتناهي الخطورة”. انتظار وصول شاحنات الإطفاء العمومية من أقرب مركز خارجي في ظل تحديات حركة السير أو بعد المسافة في المناطق الصناعية النائية، يعني ببساطة منح الحريق وقتاً كافياً ليلتهم الأصول المادية بالكامل، ويحصد أرواح العمال العالقين.

 

إن إهمال تأسيس مصلحة مطافئ وإسعاف أولى محترفة داخل المنشأة يترتب عليه حزمة من المخاطر الكارثية:

1_ النزيف البشري والمادي: إصابة بسيطة لعامل على خط الإنتاج (كجرح غائر أو حرق كيميائي) قد تتحول إلى عاهة مستديمة أو وفاة بسبب غياب مسعف مؤهل يتعامل مع الحالة في دقيقتها الأولى.

2_ المساءلة القانونية والجنائية: تواجه الشركات التي تفتقر لهذه المنظومات ملاحقات قضائية صارمة بتهمة الإهمال غير العمدي وعدم توفير بيئة عمل آمنة، مما قد يؤدي إلى إغلاق المنشأة وسجن المسؤولين عنها.

3_ فقدان السمعة التجارية: في عصر سلاسل الإمداد العالمية، ترفض الشركات الدولية الكبرى التعاقد مع مصانع لا تطبق معايير السلامة الصارمة (مثل شهادات ISO 45001). الغياب هنا يعني خسارة أسواق تصديرية حيوية.

4_ رفض التغطية التأمينية: تضع شركات التأمين شروطاً تعجيزية أو ترفع أقساطها بشكل فلكي، وقد ترفض تماماً دفع التعويضات إذا ثبت أن المصنع لا يمتلك حداً أدنى من وسائل الدفاع الذاتي والإسعاف التدخلي.

 

الخروج من هذا المأزق يتطلب تجاوز مرحلة “صناديق الإسعافات الفارغة المعلقة على الجدران” أو “طفايات الحريق منتهية الصلاحية”، والتحول نحو مأسسة حقيقية للأمن الصناعي عبر الخطوات التالية:

▪︎ تأسيس وحدة إسعاف مركزي (Clinic/Infirmary): تضم طاقماً تمريضياً مؤهلاً بشكل دائم، مع توفير سيارة إسعاف خاصة بالمنشأة للحالات الحرجة.

▪︎ تشكيل فرق إطفاء داخلية متفرغة: تخضع لتدريب مستمر على كيفية التعامل مع الحرائق الصناعية الكبرى والخاصة بطبيعة نشاط المصنع، وتزويدها بالمعدات والملابس الواقية اللازمة.

▪︎ تفعيل التكنولوجيا الذكية: ربط خطوط الإنتاج بأنظمة إنذار مبكر وإطفاء ذاتي (مائي، غازي، أو رغوي) تعمل تلقائياً عند استشعار الحرارة أو الدخان.

▪︎ ثقافة المحاكاة المستمرة: تنظيم مناورات إخلاء دورية وفجائية للعمال، لضمان جهوزية العنصر البشري وتفادي حالات التدافع والذعر أثناء الكوارث الحقيقية.

 

إن الاستثمار في أدوات السلامة والإسعاف والإطفاء داخل الشركات الكبرى  أسي المسؤول ليس رفاهية تنشغل بها أقسام الموارد البشرية، بل هو صمام أمان للاستثمار الوطني وقيمة أخلاقية وإنسانية تسبق الربحية. على الجهات التشريعية والرقابية تشديد خطوط الحمراء وجولات التفتيش، فالمصنع الذي لا يستطيع حماية عماله وأصوله من النيران، لا يستحق البقاء في السوق.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.