مجلس المنافسة ولوبي الوقود.. صلح بطعم الهزيمة
بوجندار____عزالدين/ مدير نشر
أغلقت التسوية التصالحية لمجلس المنافسة ملف “تواطؤ المحروقات” بغرامة بلغت 1.84 مليار درهم، لتفتح في المقابل نقاشاً حاداً حول جدوى الآليات الضبطية في مواجهة لوبي اقتصادي نجح في تحويل ممارساته الاحتكارية إلى أمر واقع، تاركاً المستهلك المغربي يواجه لوحه أسعار مشتعلة لا تعكس حقيقة السوق الدولية.
اعتبر محللون اقتصاديون أن العقوبة المالية، رغم ضخامتها العددية، لم تكن سوى “صك غفران” قانوني لشركات التوزيع التسع. الغرامة التصالحية لم تتجاوز نسبة ضئيلة من الأرباح الفاحشة التي تراكمت منذ قرار تحرير الأسعار سنة 2015. وبدلاً من إقرار عقوبات ردعية تصل إلى 10% من رقم المعاملات السنوي، منحت التسوية صك براءة ينهي المتابعة القضائية دون تفكيك بنية الاحتكار التي تتحكم في قوت المغاربة.
كشفت أرقام ومؤشرات تتبع السوق أن هوامش ربح الشركات ظلت مرتفعة بشكل غير مبرر، حيث تسجل محطات الوقود تقارباً شبه تام في الأسعار. هذا التواطؤ الضمني يضرب مبدأ المنافسة الشريفة في مقتل. فالشركات تسرع في عكس أي ارتفاع دولي لبرميل النفط على الأسعار المحلية فوراً، بينما تتماطل بأسابيع عند انخفاضه، مما يؤكد غياب حساسية السوق الحرة.
يتحمل المواطن المغربي التكلفة المباشرة وغير المباشرة لهذا الفشل الضبطي؛ حيث يتجلى الأثر في نقطتين:
■ استنزاف مباشر لجيوب المواطنين عند محطات الوقود، مما يقلص الدخل المتاح للاستهلاك الأساسي.
■ ارتفاع أسعار الغازوال يرفع مباشرة تكاليف النقل واللوجستيك، مما يؤدي إلى غلاء تسلسلي للمواد الغذائية والاستهلاكية بالأسواق.
أظهرت هذه القضية حدود قدرة مجلس المنافسة على فرض توازن حقيقي في السوق. فالاكتفاء بالصلح المالي دون فرض إجراءات هيكلية—مثل تحديد أسقف الأرباح أو إجبار الشركات على تغيير سلوكها التجاري—يعزز الانطباع السائد بأن “لوبي المحروقات” أقوى من سلطة الرقابة، ويملك النفوذ الكافي لفرض شروطه وتكريس هيمنته على حساب السلم الاجتماعي والاقتصادي للمملكة.
تظل التسوية المالية مع شركات المحروقات مجرد مسكن مؤقت لأزمة هيكلية عميقة، دفع ثمنها المواطن المغربي من قوته اليومي وقدرته الشرائية المستنزفة. إن إفلات اللوبي من العقاب الردعي وتكريس واقع الاحتكار يؤكد أن المستهلك البسيط هو الحلقة الأضعف، والضحية الأكبر لمعادلة اقتصادية غير عادلة تضمن للشركات مراكمة الأرباح الفاحشة، بينما تترك جيوب المغاربة مكشوفة أمام لهيب أسعار لا يرحم.