مطالب لـ بنسعيد بنقل سلطة القرار إلى لجان جهوية تابعة لوزارته.
بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر
الصحافة الجادة في ظروف قاسية.. فهل يستجيب بنسعيد لمطلب الإنصاف وتكافؤ الفرص؟
متابعة ______خاصة
لم يعد خافياً على أحد أن المقاولة الإعلامية المغربية تعيش مخاضاً عسيراً يهدد وجودها. وجاءت تصريحات وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، لتضع الأصبع على الداء الحقيقي: أزمة السيولة والنموذج الاقتصادي العتيق. الوزير أكد بوضوح أن الإشهار والإعلانات هما عصب الحياة لأي مقاولة صحفية عبر العالم، لكن الاستمرار في تبني صيغ استثمارية تعود لزمن “الورقي” في عصر “الخوارزميات” و”الذكاء الاصطناعي” هو بمثابة انتحار اقتصادي معلن.السوق الوطنية اليوم لم تعد حكراً على الفاعلين المحليين؛ بل أصبحت ساحة معركة مفتوحة تهيمن عليها غيلان التكنولوجيا العالمية (غوغل، وميتا، وتيك توك) التي تلتهم حصة الأسد من كعكة الإشهار الوطني. هذا الواقع الرقمي الجديد يفرض على الناشرين المغاربة التخلي عن دور “الشاكي” والتحول إلى منطق “المقاول الصارم” الذي يعيد هندسة منتجه ليصبح جذاباً للمستثمرين والمعلنين.
الدعوة الوزارية لم تكن مجرد تشخيص للواقع، بل حملت في طياتها خريطة طريق واضحة تتطلب من المقاولات الصحفية الانكباب على تدابير عملية:مراجعة مساطر التسعير: ملاءمة أسعار المساحات الإشهارية والإعلانية مع القدرة الشرائية والديناميكية الجديدة للسوق الوطنية لكسر احتكار الوسائط البديلة.تنويع مصادر الدخل: عدم الارتهان الكلي لمنح الدعم الحكومي المباشر، والتوجه نحو ابتكار خدمات إعلامية مدفوعة ورعاية المحتوى الذكي (Sponsored Content).التكتل الاندماجي: الانتقال من مفهوم “الدكاكين الإعلامية الصغيرة” إلى “مجموعات إعلامية كبرى وقوية” قادرة على التفاوض مع كبار المستشهرين بندية وتنافسية عالية.
إن إصلاح المنظومة الاقتصادية للإعلام ليس ترفاً تجارياً بل هو قضية سيادة وطنية؛ فالمقاولة الإعلامية الهشة مالياً لا يمكنها صناعة محتوى جاد، ولا تستطيع الصمود في وجه “الأخبار الزائفة” والشائعات. ومن هنا، ترتكز رؤية الوزارة الوصية على أن حماية الجسم الصحفي تمر حتماً عبر تأهيل رأسماله البشري وتحصين مناعته الاقتصادية، حتى يضطلع بدوره كاملاً كصوت للمجتمع ومرآة للتنمية والدبلوماسية الموازية للمملكة.
تأسيسًا على ما تقدم، تظل دعوة الوزارة الوصية لتطوير النموذج الاقتصادي خطوة ضرورية، لكنها تظل ناقصة ما لم تقترن بإنصاف حقيقي لـ “المقاولات الصحفية الجادة” التي تصارع الموت في صمت. ومن هنا، نتوجه برسالة مباشرة وصريحة إلى السيد الوزير المحترم: إن هناك مؤسسات إعلامية مهنية ومسؤولة، تؤدي واجبها الوطني والمهني في ظروف قاسية جداً، وتعيش وضعاً إقصائياً هجيناً؛ فلا هي استفادت من كعكة الدعم العمومي، ولا هي نالت نصيباً عادلاً من الإشهارات العمومية التي تلتهمها جهات بعينها في المركز.السيد الوزير المحترم، إن تشخيص أزمة الإعلام من المكاتب المركزية بالرباط لا يعكس حقيقة المعاناة في الجهات والأقاليم. ومن المفروض اليوم، تفعيل مقاربة تشاركية لامركزية حقيقية عبر إحداث “لجان جهوية مستقلة تابعة لوزارتكم”. هذه اللجان يجب أن تكون هي صاحبة القرار والسيادة في تقييم المشهد الإعلامي المحلي، وهي الأقدر على فرز “المقاولات الجادة والملتزمة” عن دكاكين الريع والابتزاز. إن إنقاذ الصحافة المغربية وتأهيل نموذجها الاقتصادي لا يمر عبر خنق المنابر الصغرى المستقلة بشروط تعجيزية، بل عبر توزيع عادل وتكافؤ فرص حقيقي في الدعم والإشهار، تحت إشراف لجان جهوية تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتدرك أن حماية التعددية الإعلامية هي حماية للسيادة الوطنية