“الرجا في الله!”
بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر
متابعة: أمال______لقرافي.
من أقدس الحقوق التي ينص عليها الدستور وتغنت بها كل الحكومات المتعاقبة في بلادنا، هو حق المواطن البسيط في العلاج والولوج إلى الدواء في المستشفيات والمستوصفات العمومية. حقٌ وُجد أساساً لحماية “الدراوش” والفئات الهشة التي تعجز عن شراء حبة “أسبرين” من جيبها، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة الذين أصبحت حياتهم رهينة بـ “الـفْنِيدْ” والحقن اليومية. كلام جميل ومقنع جداً على الأوراق وفي النشرات الإخبارية، ولكن بمجرد أن يطأ المواطن المريض عتبة المستوصف وهو لا يملك سوى رحمة الله وصحته المهدودة، تصدمه العبارة الكلاسيكية الشهيرة التي حفظتها السكرتارية والممرضون عن ظهر قلب: “الدوا تقاضا… سير حتى لّخر فالشهر وعاود جي!”.
في “سوق” الدواء العمومي، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بمادة حيوية مثل “الأنسولين” – التي يفصل بينها وبين حياة مريض السكري خيط رقيق – تقع سيناريوهات عجيبة تجلب السكر وتزيد الضغط! المفروض أن عملية التوزيع تخضع لمساطر دقيقة، وجرد صارم، وتسجيل بالوصفات الطبية لضمان وصول المادة إلى مستحقيها الفعليين. لكن، بقدرة قادر، وبمجرد أن يدخل “السي فلان” أو “لالة فرتلانة” ممن يملكون “الخيط لبيض” و”المعرفة” الواصلة، تفتح الخزائن وتُصرف لهم “الكرطونة” كاملة مكملة, بينما المواطن البسيط الذي يقف في الطابور منذ فجر الله وضارب الكيلومترات على رجليه، يُقال له ببرودة دم مستفزة: “سير شريها من لافارماسي!”.
وهنا، يرفع هذا المريض المحقور عينه إلى السماء ويسأل المسؤولين عن القطاع سؤالاً “خفيفاً ظريفاً”: أين هي لجان المراقبة والافتحاص والضمير المهني عندما تُطحن هذه “الجريمة” الإنسانية في كواليس المستوصفات؟ واش هذا الدواء اشتريتموه من مالكم الخاص لتتصدقوا به على أحبابكم وأصحابكم ومن يملك “باك صاحبي”؟ عيب وعار أن يظل المواطن بين مطرقة المرض وسندان الغلاء، وميزانية الدواء تُدبر بـ “الهاتف” والمحسوبية بينما السلطات الوصية دايرة “عين ميكة”!
إن فصول المعاناة لا تتوقف عند كلمة “السيستيم طاح” أو “الدوا تسالا”، بل تتعداها إلى تلك الكسرة وغصة الخاطر حين يعود الأب أو الأم إلى بيته ويداه فارغتان، لينظرا في عيون أبنائهما المرضى وهم لا يملكون حتى ثمن “الطاكسي” للعودة، فما بالك بثمن علبة دواء تعادل قيمتها في الصيدليات الخاصة راتب أيام من الشقاء. واش بغيتو هاد الناس يمشيو يموتو فديورهم فصمت، لمجرد أنهم لا يملكون “المعرفة” والواسطة التي تضمن لهم حقهم المشهدود في العلاج؟
قطاع الصحة ليس مجالاً لتجريب “الهموز” أو لتوزيع الهدايا السياسية والاستعراضية، وحبة الدواء في المستوصف العمومي هي حق مكفول بالقانون، وليست “منّة” أو صدقة يتكرم بها طبيب أو ممرض على المواطن. العدالة الاجتماعية الحقيقية ومغرب الغد لا يمكن أن ينطلقا وهناك مريض يموت ببطء لأن ليس لديه “وساطة” تأخذ بيده لنيل حقنة أنسولين.
نصيحة “خفيفة ظريفة” لمن يمسكون بمفاتيح الصيدليات في مستوصفاتنا: ثقة المواطن في هذه المنظومة أصبحت شبه منعدمة، فبركة من سياسة “الحكرة” والمحسوبية في أرواح البشر. لقد حان الوقت لتستيقظ الضمائر الإنسانية، وتكون حبة الدواء من نصيب المريض المحتاج فعلاً، ماشي لّي عندو التلفون واصل وصاحبو يسند ليه ظهرو!