العرائش.. حي جنان بيضاوة الصفيحي يثير أسئلة التنمية والعدالة المجالية
متابعة: شهيد____بعمري.
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الجماعية المقبلة، يعود ملف الأحياء الصفيحية إلى واجهة النقاش حول حصيلة تدبير الشأن المحلي، ومدى قدرة المجالس المنتخبة على الاستجابة لانتظارات المواطنين وتحقيق تنمية مجالية منصفة. وفي مدينة العرائش، يبرز حي «جنان بيضاوة» باعتباره أحد الملفات الاجتماعية والعمرانية التي ظلت عالقة لسنوات طويلة، في ظل معاناة أسر تعيش ظروفاً سكنية صعبة، تطرح أكثر من سؤال بشأن واقع التأهيل الحضري وحدود التدخلات العمومية.
ويأتي هذا الملف في سياق الدعوات المتواصلة إلى تكريس العدالة المجالية، انسجاماً مع التوجهات الملكية الرامية إلى تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضمان استفادة مختلف المناطق من ثمار التنمية. غير أن واقع إقليم العرائش يثير تساؤلات حول مدى استفادته من الدينامية التنموية التي تعرفها مناطق أخرى بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وحول أسباب استمرار بعض مظاهر الهشاشة الحضرية والاجتماعية في عدد من أحيائه.
وحسب المعطيات الواردة في هذا المقال، يضم حي «جنان بيضاوة» نحو 800 أسرة، تعيش في مساكن صفيحية منذ سنة 1986، ما يجعل القضية تتجاوز مجرد اختلال عمراني عابر، لتتحول إلى ملف اجتماعي ممتد عبر عقود، يستدعي تقييماً موضوعياً لما تحقق من تدخلات، ومساءلة السياسات المحلية المتعاقبة، والبحث عن حلول عملية تضع كرامة السكان في صلب الأولويات.
تتمثل أولى مظاهر المعاناة في طبيعة البناء داخل الحي، حيث تعتمد مساكن على صفائح القصدير والأخشاب والمواد البلاستيكية، وهي مكونات لا توفر شروط السلامة والاستقرار، خصوصاً في مواجهة التقلبات الجوية. كما أن تقارب المنازل وضيق الممرات وتشعبها يضاعف من صعوبة التدخل عند وقوع حوادث طارئة.
وتزداد هذه المخاطر مع احتمال اندلاع الحرائق بسبب التوصيلات الكهربائية غير الآمنة، فضلاً عن محدودية الولوج إلى بعض أجزاء الحي، الأمر الذي قد يعرقل وصول سيارات الإسعاف والإطفاء في الوقت المناسب. وهي وضعية تستدعي تدخلاً وقائياً عاجلاً، بالتوازي مع وضع تصور شامل لمعالجة أصل المشكلة، بدل الاكتفاء بالتعامل مع تداعياتها عند وقوع الحوادث.
بنية تحتية غائبة ومعاناة يومية
ولا تتوقف مظاهر الهشاشة عند طبيعة المساكن، بل تمتد إلى ظروف العيش داخل الحي، حيث يشير المقال إلى نقص التجهيزات الأساسية، بما فيها شبكات التطهير السائل والماء الصالح للشرب والكهرباء النظامية والإنارة العمومية.
وتؤدي هذه الاختلالات، متى ثبت استمرارها، إلى تفاقم معاناة الأسر، خصوصاً خلال فصل الشتاء، حين تتحول الممرات غير المهيأة إلى فضاءات موحلة تعيق التنقل وتؤثر في شروط النظافة والصحة العامة. كما أن غياب قنوات الصرف الصحي والتدبير المنتظم للنفايات قد يهيئ الظروف لانتشار الحشرات والقوارض، بما يرفع المخاطر الصحية ويؤثر في جودة الحياة.
وفي ظل هذه الظروف، تجد الأسر نفسها مضطرة إلى تدبير احتياجاتها اليومية بإمكانات محدودة، بينما تظل مسألة توفير الخدمات الأساسية مدخلاً ضرورياً لأي مشروع جاد لإعادة التأهيل وتحسين ظروف السكن.
الهشاشة الاجتماعية ومستقبل الأطفال والشباب
إن استمرار العيش في بيئة تفتقر إلى التجهيزات والخدمات الأساسية لا ينعكس على الجانب العمراني وحده، بل يمتد أثره إلى الأوضاع الاجتماعية، ولا سيما لدى الأطفال والشباب. فغياب فضاءات اللعب والأنشطة الرياضية والثقافية، إلى جانب محدودية فرص التأطير الاجتماعي، قد يزيد من مخاطر الإقصاء ويحد من إمكانات الاندماج والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة.
كما أن الفقر والهشاشة وضعف الولوج إلى الخدمات الاجتماعية عوامل قد تتداخل لتفاقم مشكلات مثل الانقطاع عن الدراسة وعمالة الأطفال، ما يستوجب مقاربة شمولية لا تختزل الحل في نقل السكان أو تغيير طبيعة مساكنهم، وإنما تشمل أيضاً التعليم والصحة والتأطير والتكوين وفرص الإدماج الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، فإن معالجة وضعية «جنان بيضاوة» ينبغي أن تقوم على تصور اجتماعي متكامل، يجعل من تحسين ظروف العيش مدخلاً للحد من التهميش، ويوفر للأطفال والشباب بيئة أكثر أماناً وفرصاً أفضل لبناء مستقبلهم.
وتطرح طبيعة النسيج العمراني داخل الأحياء الصفيحية تحديات إضافية أمام تدخلات المصالح الأمنية والوقاية المدنية، خصوصاً عندما تكون الأزقة غير مهيأة، أو تفتقر المساكن إلى عناوين واضحة تسهّل تحديد مواقعها. كما أن غياب التهيئة المناسبة قد يعقد عمليات التدخل الاستعجالي، ويؤثر في سرعة الاستجابة للحالات الطارئة.
وفي المقابل، ينبغي التعامل مع الإشكالات الأمنية والاجتماعية وفق مقاربة مسؤولة تستند إلى معطيات موثوقة، وتفصل بين الظروف الهشة التي يعيشها السكان وبين أي ممارسات إجرامية محتملة. فمعالجة الجريمة، حيثما ثبت وجودها، تظل من اختصاص المؤسسات المعنية، ولا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لوصم جميع قاطني الحي أو تحميلهم مسؤولية أوضاع عمرانية واجتماعية تتطلب حلولاً مؤسساتية.
ومن بين الإشكالات التي يثيرها الملف، الوضعية القانونية للعقار الذي أقيمت فوقه المساكن، وما قد يترتب عنها من صعوبات مرتبطة بالتسوية وإعادة الهيكلة أو إعادة الإسكان. فغياب سند قانوني واضح لدى بعض الأسر، إن تأكد، يضعها أمام حالة من عدم الاستقرار، ويجعل مستقبلها السكني مرتبطاً بقرارات وإجراءات قد لا تكون واضحة بالنسبة إليها.
ومن هنا تبرز ضرورة إجراء تشخيص عقاري وإداري دقيق، يحدد طبيعة الوعاء العقاري والوضعية القانونية للمساكن، ويرصد حقوق المعنيين والتزاماتهم، مع اعتماد مقاربة شفافة تضمن احترام القانون وصون الكرامة الإنسانية. كما ينبغي توضيح الخيارات المتاحة أمام السكان، وشروط الاستفادة من برامج إعادة الإسكان أو التأهيل، إن توفرت، تفادياً لأي التباس أو شعور بالإقصاء.
الانتخابات المقبلة.. هل يتحول الملف إلى أولوية حقيقية؟
مع اقتراب الانتخابات الجماعية المقبلة، يصبح ملف «جنان بيضاوة» اختباراً حقيقياً لمدى جدية الفاعلين السياسيين والمنتخبين في التعاطي مع القضايا الاجتماعية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. فالمطلوب ليس استحضار الحي ضمن الخطابات الانتخابية فحسب، بل تقديم تصور واضح وقابل للتنفيذ، يحدد المسؤوليات والآجال ومصادر التمويل، ويضمن التنسيق بين الجماعة الترابية والسلطات المحلية والمصالح القطاعية والمؤسسات المعنية بالإسكان والتعمير.
كما أن معالجة هذا الملف تستدعي إشراك السكان وممثليهم في تحديد الأولويات، وإطلاعهم على مراحل التدخل والبدائل الممكنة، مع الحرص على ألا تتحول هشاشتهم الاجتماعية إلى عامل يحد من قدرتهم على الدفاع عن حقوقهم المشروعة.
إن مدينة العرائش، بما تتوفر عليه من مؤهلات ساحلية وسياحية وفلاحية واقتصادية، تحتاج إلى تنمية حضرية متوازنة لا تقتصر على المشاريع الكبرى أو الواجهات العمرانية، بل تشمل أيضاً الأحياء التي ما زالت تنتظر الحد الأدنى من شروط السكن اللائق والخدمات الأساسية.
إن «جنان بيضاوة» ليس مجرد اسم في خريطة العرائش، بل ملف اجتماعي وإنساني يضع تدبير الشأن المحلي أمام مسؤولية واضحة: كيف يمكن الحديث عن تنمية منصفة فيما لا تزال أسر تواجه تحديات السكن الهش وضعف التجهيزات الأساسية؟
إنصاف هذه الأسر يقتضي الانتقال من تشخيص المعاناة إلى اقتراح حلول واقعية، ومن الوعود العامة إلى الالتزامات القابلة للتتبع والمحاسبة. فكرامة المواطن لا ينبغي أن تكون موضوعاً موسمياً مرتبطاً بالانتخابات، وإنما حقاً أصيلاً يستوجب سياسات عمومية عادلة ومستدامة، تجعل من تحسين ظروف العيش أولوية فعلية في حاضر العرائش ومستقبلها.