كيف أضاءت “الشهاب” عتمة الذاكرة الغنائية المغربية؟

0 10

بقلم : بوجندار______ عزالدين.

المقال الواحد والستون بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان : الظاهرة الغيوانية وبصمة “الشهاب”.. إرث يصارع النسيان وسؤال رد الاعتبار.

 

 

حين ننبش في “قاع الخابية” الفنية والثقافية للمغرب، لا نجد مجرد ألحان عابرة تذروها الرياح، بل نصطدم بكنوز غنائية صاغت وجدان أجيال كاملة. ومن بين هذه الجواهر التي بزغت في سماء “الظاهرة الغيوانية” الملتزمة، تتلألأ مجموعة الشهاب الموسيقية كأحد العناوين البارزة لسينما النص الزجلي الملتزم، وصرخة الهامش الحقيقية التي جسدت هموم “الدراويش” والطبقات الكادحة.

 

في تلك الحقبة الذهبية من تاريخ المغرب، لم يكن تأسيس مجموعة غنائية ترفاً أو بحثاً عن أضواء الشهرة الزائفة، بل كان ضرورة وجودية وموقفاً فكرياً. سارت “مجموعة الشهاب” على خطى المدارس الكبرى كـ “ناس الغيوان” و”لمشاهب” و”جيل جيلالة”، لكنها صممت لنفسها بصمة متفردة؛ فكانت كلماتها بمثابة مرآة تعكس الاختلالات الاجتماعية وقلق الإنسان المغربي البسيط أمام تحولات العصر.

 

تميزت مسيرة مجموعة الشهاب الفنية بقدرتها الفائقة على ترويض التراث الموسيقي المغربي الأصيل (من إيقاعات كناوية، وعيطة، وتراث شعبي) ومزجه بنصوص زجلية بالغة العمق والجرأة. لم تكن الكلمة لديهم مجرد حشو للقوافي، بل كانت أداة للمساءلة والمكاشفة؛ طرقت نصوصهم ملفات التهميش، والعدالة الاجتماعية، وآلام الهجرة والفراق، موظفين الرمز والمجاز الممتد من الإرث الصوفي والشعبي بذكاء أتاح لرسائلهم النفاذ إلى قلوب الجماهير.

على خشبة المسرح، لم تكن الشهاب تغني فقط، بل كانت تؤدي طقساً جماعياً حركياً يتسم بالتناغم الصوتي البديع. كانت النبرة الشجية الممزوجة بنبرات التحدي والصمود هي الهوية الصوتية لأعضاء المجموعة، ما خلق ارتباطاً وجدانياً وثيقاً مع المستمعين جعل من أغانيهم وثائق اجتماعية حية تُخلد مرحلة تاريخية استثنائية من الوعي الجمعي المغربي.

 

إن إعادة قراءة مسيرة “مجموعة الشهاب” اليوم من خلال نافذة جريدة المشاهد، ليست مجرد ارتماء في أحضان النوستالجيا أو بكاء على الأطلال، بل هي مساءلة مؤسساتية حقيقية لواقع الذاكرة الثقافية بالمغرب. أين هو الإعلام المعاصر من هذه المجموعات التي أسست لوعي جيل كامل؟ إن حماية وتوثيق إرث مجموعات الهامش هو حماية للهوية المغربية من التسطيح والنسيان.

ستظل “مجموعة الشهاب” نبراساً يضيء عتمة الذاكرة، وشاهداً حياً على زمن كان فيه المبدع لا ينفصل عن نبض شعبه، وكانت فيه النغمة جسراً يمتد من أزقة الهامش ليعانق تطلعات الوطن.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.