طبيب الفقراء والصحفي.. واجهتان لقضية تضع “مغرب المؤسسات” أمام اختبار الثقة
بقلم : بوجندار ______عزالدين .
المقال الستين بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان:حماية المبلغين والصحافة.. الخط الفاصل بين تفعيل القانون والترهيب القضائي
في مغرب المؤسسات ودولة القانون، تطرح قضية سجن شخصين، أحدهما طبيب اشتهر بلقب «طبيب الفقراء»، والآخر صحفي ارتبط اسمه بإثارة ملفات تهم الشأن العام، أسئلة ثقيلة تتجاوز حدود الواقعة القضائية نفسها، لتلامس واقع حرية التعبير، وحماية المبلغين عن الاختلالات، وحدود المسؤولية في مواجهة الفساد.
ومن قاع الخابية، لا يتعلق الأمر بمنح صك البراءة لأي طرف، ولا بمصادرة حق القضاء في النظر في الملفات المعروضة عليه، وإنما بطرح سؤال جوهري: كيف يمكن بناء الثقة في المؤسسات إذا ظل المواطن يشعر بأن الأصوات التي تثير قضايا المصلحة العامة لا تجد دائماً المناخ الملائم للتعبير عن مواقفها والدفاع عن انشغالاتها؟
عندما يجد طبيب ارتبط اسمه بخدمة الفئات الهشة نفسه خلف القضبان، ويجد صحفي نفسه في وضع مماثل، فإن الرأي العام من حقه أن يتساءل عن خلفيات الملفات، وطبيعة الأفعال المنسوبة إليهما، ومدى ارتباطها بما كانا يثيرانه من قضايا، دون استباق الأحكام أو التشكيك في استقلالية القضاء.
وهنا تحديداً تبدأ المهمة الاستقصائية الحقيقية: هل تمت دراسة جميع المعطيات والقرائن المرتبطة بالملفين؟ وهل حظي المعنيان بكامل ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع؟ وهل جرى التعامل مع كل التصريحات والشكايات والوقائع وفق المعايير نفسها، بعيداً عن النفوذ أو المصالح أو الحسابات الشخصية؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي تجربة ديمقراطية ليس مجرد وجود ملفات قضائية ضد أشخاص يرفعون شعارات محاربة الفساد، وإنما أن تتولد لدى المجتمع قناعة بأن إثارة الاختلالات قد تتحول إلى عبء على أصحابها، وأن كشف الملفات الحساسة قد يصبح مغامرة غير محسوبة العواقب.
هذا هو السؤال الذي يستحق نقاشاً مؤسساتياً وحقوقياً مسؤولاً، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والشعارات العاطفية.
فمحاربة الفساد لا ينبغي أن تكون شعاراً موسمياً، ولا امتيازاً تمنحه المواقع والمسؤوليات، بل مسؤولية مؤسساتية تتطلب حماية المال العام، وتشجيع التبليغ عن الاختلالات، وضمان حق الصحافة في البحث والتحقيق والنشر وفق القانون.
كما أن الطبيب الذي يشتغل لخدمة الفئات الهشة، والصحفي الذي يمارس حقه في مساءلة الشأن العام، يظلان خاضعين للقانون، شأنهما شأن جميع المواطنين، لكن القانون نفسه مطالب بضمان المساواة والإنصاف وعدم تحويل المساطر القضائية إلى وسيلة لترهيب الأصوات المنتقدة.
ومن هنا نوجه أسئلة لا يمكن تجاهلها:
ما هي حقيقة الملفات القضائية التي أدت إلى سجن المعنيين؟
هل توجد علاقة بين هذه المتابعات والملفات التي سبق أن أثيرت حول الفساد والاختلالات؟
هل جرى فحص الشكايات والمعطيات التي سبق طرحها في هذا السياق؟
وما هي الضمانات المتاحة لحماية الصحفيين والمبلغين عن الفساد من أي تضييق محتمل؟
إننا لا نطالب بإلغاء القانون، ولا بالتدخل في عمل القضاء، بل نطالب بأن يكون القانون حصناً للجميع، وأن تظل قرينة البراءة وحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة مبادئ لا تقبل الانتقائية.
كفى من تحويل محاربة الفساد إلى مجرد شعار!
فالمؤسسات القوية لا تخشى الأسئلة، والدولة الواثقة من عدالة مؤسساتها لا تضيق بالنقد المسؤول، بل تجعل من حرية الصحافة والمساءلة مدخلاً لتصحيح الاختلالات وتعزيز الثقة.
وفي انتظار اتضاح جميع المعطيات القضائية، يبقى السؤال الذي نضعه على طاولة النقاش العمومي:
إذا كان محاربو الفساد مطالبين بالخضوع للقانون، فمن يضمن ألا يصبح القانون نفسه موضوع تساؤل عندما يشعر المواطن بأن ملفات الفساد الكبرى لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام؟
من قاع الخابية، لا ندافع عن الأشخاص بقدر ما ندافع عن المبدأ: لا أحد فوق القانون، ولا أحد يجب أن يكون تحت القانون بسبب صوته أو مواقفه، والفساد لا يُحارب بتكميم الأفواه، بل بكشف الحقائق وترتيب المسؤوليات.