السيادة الرقمية في المغرب: رؤية استراتيجية أم سقف سياسي مرتفع؟

0 133

بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر

 

في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية عالمياً، خرج رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش بتصريح يؤكد فيه أن المغرب، “انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية”، اختار نهجاً استراتيجياً يقوم على “التحكم في ثورة الذكاء الاصطناعي بدل الخضوع لها”، مع التشديد على مبدأ “السيادة التكنولوجية وعدم التبعية في القرار والابتكار”.

تصريح يبدو في ظاهره طموحاً، بل ويعكس وعياً رسمياً بأن معركة المستقبل لم تعد عسكرية أو اقتصادية فقط، بل أصبحت معركة خوارزميات وبيانات وبنى تحتية رقمية. لكن، بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، تطرح أسئلة محرجة نفسها بإلحاح: هل يمتلك المغرب فعلاً أدوات هذه “السيادة التكنولوجية”؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سقفاً سياسياً أعلى من القاعدة الواقعية؟

الحديث عن “السيادة التكنولوجية” يفترض وجود قاعدة صلبة: مراكز بيانات قوية، صناعة برمجيات وطنية، استثمار كثيف في البحث العلمي، ونظام تعليمي قادر على إنتاج مهندسين ومبتكرين.

 

لكن المعطيات المتداولة في الأوساط التقنية تشير إلى أن المغرب ما يزال في مرحلة “الاستعمال” أكثر من “الإنتاج”، أي أنه مستهلك كبير للتكنولوجيا أكثر من كونه فاعلاً في صناعتها. وهو ما يجعل شعار “التحكم في الثورة” أقرب إلى الطموح السياسي منه إلى الواقع الصناعي القائم.

حتى الدول الكبرى لا تتحدث عن “السيطرة” المطلقة على الذكاء الاصطناعي، بل عن “تنظيمه وتوجيهه”. فكيف بدولة نامية رقمياً أن تتبنى خطاب التحكم الكامل؟

هنا يظهر إشكال دقيق: هل المقصود بالسيادة هو امتلاك التكنولوجيا؟ أم فقط وضع قوانين لحماية البيانات وتنظيم الاستخدام؟

الفرق بين المفهومين هو الفاصل بين دولة مُنتِجة للتكنولوجيا، ودولة مُنظِّمة لا أكثر.

المغرب أطلق خلال السنوات الأخيرة عدة مبادرات مرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي، لكن السؤال الاستقصائي الأهم هو: هل هذه المبادرات متكاملة ضمن رؤية صناعية واضحة؟ أم أنها مشاريع متفرقة بلا عمق تحويلي؟

في غياب مؤشرات واضحة حول حجم الاستثمار في البحث العلمي، وعدد الشركات المغربية الناشئة القادرة على المنافسة عالمياً في الذكاء الاصطناعي، يبقى الحديث عن “السيادة” أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى واقع اقتصادي ملموس.

 

الإشارة إلى “التوجيهات الملكية السامية” في مثل هذه التصريحات تعطيها بعداً سياسياً أعلى، لكنها في الوقت نفسه تضع الحكومة أمام سؤال المسؤولية التنفيذية:

كيف تتحول الرؤية الاستراتيجية إلى مشاريع قابلة للقياس؟

وهل هناك آليات تقييم مستقلة لمدى التقدم في هذا الورش الرقمي، أم أن الخطاب يبقى متقدماً على الفعل؟

في نهاية المطاف، يظل تصريح رئيس الحكومة جزءاً من خطاب سياسي يسعى إلى وضع المغرب في خانة الدول التي “تفكر في المستقبل الرقمي”. لكن بين التفكير في المستقبل وصناعته، مسافة طويلة اسمها: الاستثمار، التعليم، البحث العلمي، والاستقلال التكنولوجي الحقيقي.

وإلى أن تتضح معالم هذه السيادة على الأرض، سيبقى السؤال مفتوحاً:

هل نحن أمام مشروع تحرر رقمي فعلاً… أم مجرد شعار جديد في زمن الذكاء الاصطناعي؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.