تسيير مقاطعة المنارة بمراكش: بين “بريق” التواصل و”عتمة” الواقع الميداني
بوجندار____عزالدين/ مدير نشر
المقال السابع عشر بعد ثلاثمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: تسيير مقاطعة المنارة بمراكش: قراءة في حصيلة “الشافقي” بين طموح التأهيل وإكراهات الواقع الميداني.
مراكش _____ تقرير استقصائي
تعتبر مقاطعة المنارة القلب النابض لمدينة مراكش، وخزاناً انتخابياً واجتماعياً يضع أي تجربة تسييرية تحت مجهر النقد الدقيق. ومع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية الحالية، يبرز اسم عبد الواحد الشافقي (حزب التجمع الوطني للأحرار) كفاعل محوري حاول الموازنة بين واجباته البرلمانية ومهامه كرئيس لأكبر مقاطعات المدينة الحمراء. فما هي الملامح الحقيقية لهذه المرحلة؟
1. الواجهة المضيئة: “دينامية الأوراش والقرب السياسي”
نجحت تجربة الرئيس الحالي الشافقي في إعطاء نَفَس جديد للتواصل السياسي داخل المقاطعة، ويمكن حصر الإيجابيات في ثلاث نقاط أساسية:
_ هندسة “القرب التواصلي”؛ استطاع المجلس تحويل المقاطعة إلى مركز ثقل للنقاش العمومي عبر لقاءات “نقاش الأحرار”، مما مكن من تقريب صُنّاع القرار (وزراء ومسؤولين) من الانشغالات المحلية، وهو ما اعتُبر ذكاءً في تدبير التواصل السياسي.
– الاستثمار في الرأسمال البشري والرياضي: شهدت المنطقة طفرة في ملاعب القرب وفضاءات الشباب. هذا التوجه لم يكن ترفاً، بل ضرورة لامتصاص طاقة شباب أحياء شعبية شاسعة، وهو ورش يُسجل للمجلس الحالي كقيمة مضافة واضحة.
_ الترافع “المزدوج”: استغل الشافقي قبعته البرلمانية لرفع ملفات المنارة إلى مراكز القرار بالرباط، مما ساهم في تسريع وثيرة بعض الاتفاقيات المرتبطة بالبنية التحتية والحماية الاجتماعية.
2 . الظلال القاتمة: “تحديات التدبير والتنفيذ الميداني”
في المقابل، لم تخلُ هذه التجربة من عثرات أثرت بشكل مباشر على معيش الساكنة، وتتمثل السلبيات في:
_ معضلة “جودة الأشغال”: تظل الشكاوى من سوء حالة الطرقات بعد تدخلات شركات التدبير المفوض (خاصة راديما) نقطة سوداء. فرغم اعترافات الرئيس بضعف جودة “ردم الحفر”، إلا أن المواطن في المنارة ما يزال يواجه شوارع متهالكة تؤثر على انسيابية التنقل.
_ أزمة النظافة والبيئة: تعاني أحياء كبرى بالمنارة من تراجع جودة النظافة وانبعاث روائح كريهة في بعض النقط (العزوزية نموذجاً)، وهو ما يضع المجلس أمام تساؤلات حول مدى نجاعة الرقابة على الشركات المفوض لها تدبير هذا القطاع الحيوي.
_ زلزال “النزاهة والرقابة”: شكّل اعتقال نائب رئيس المقاطعة بتهمة الارتشاء صدمة قوية لصورة التسيير المحلي، مما فتح الباب أمام انتقادات تخص “الحكامة” والرقابة الداخلية على قطاع التعمير والمنح الإدارية.
3 . ملف “الدواوير”: قنبلة موقوتة تحت الحوار.
يُحسب لرئيس الحالي نهج سياسة “التهدئة” في ملف إعادة هيكلة الدواوير، لكن التحدي يظل قائماً؛ فبين الوعود بالتمليك والتأهيل، وواقع “الجمود” العقاري في بعض المناطق، تبقى آلاف الأسر تعيش حالة من الترقب المشوب بالحذر، مما يتطلب تجاوز “خطاب الطمأنة” إلى “حلول تقنية وقانونية”
خلاصة القول، إن تجربة الرئيس الحالي في مقاطعة المنارة هي تجربة “طموحة” من حيث الرؤية والتواصل، لكنها “متعثرة” من حيث الأثر الميداني البسيط الذي يمس جودة الحياة اليومية. فالنجاح في بناء ملاعب القرب لا يجب أن يحجب الفشل في ردم حفرة أو رفع القمامة في وقتها.
يبقى الرهان الحقيقي أمام المجلس فيما تبقى من الولاية، هو كيف يمكن تحويل “الإنجازات الورقية” والخطابات البرلمانية إلى “جودة معيشية” يشعر بها المواطن في أزقة المسيرة، الضحى، والعزوزية؟
في نهاية المطاف، يبقى تسيير مقاطعة المنارة في عهد الشافقي أشبه بلوحة سريالية؛ ألوانها الزاهية تظهر في لقاءات نقاش الأحرار وتحت أضواء الكاميرات في البرلمان، لكن تشققاتها العميقة تظهر في حفر شوارع المسيرة، وروائح العزوزية ونظرات اليأس في الدواوير.
إن النجاح السياسي لا يقاس بعدد الصور مع الوزراء، ولا بطول المداخلات تحت قبة البرلمان، بل يقاس بـالأمان السكني الذي يفتقده العسكري المتقاعد في خريف عمره، وبـالكرامة اليومية’ للمواطن الذي يطالب بحق بسيط في شارع نظيف وطريق معبدة.
الخلاصة المُرّة هي أن مقاطعة المنارة اليوم تضيء للبعيد وتترك القريب في العتمة؛ فبينما يغرق المسؤولون في لغة الأرقام ودورة الإنجاز، يغرق المواطن في تفاصيل تسيير يومي يفتقد للبوصلة الميدانية. وإذا كان القانون هو الحجة لتبرير الهدم أو الإخفاق، فإن روح العدل تقتضي أن لا تكون التنمية مجرد ماكياج سياسي يُخفي خلفه ندوباً اجتماعية غائرة. ويبقى السؤال المعلق فوق أنقاض عين برجة وأزقة مقاطعة المنارة، إذن متى سيتصالح خطاب المسار مع حقيقة المصير؟