الحكم على الصحفي يونس أفتيط.. “رصاصة رحمة” على ما تبقى من جرأة صحفية؟
بوجندار____عزالدين/ مدير نشر
عقوبة “تعجيزية” في حق الصحفي يونس أفتيط، هل الهدف هو العدالة أم “تكسير الريشة”؟ قضية الصحفي أفتيط: رسائل “ترهيب” مشفرة تحت غطاء “التعويض عن الضرر”.
أثار الحكم الابتدائي الصادر في حق الصحفي يونس أفتيط، والقاضي بستة أشهر حبساً موقوف التنفيذ وتعويض مادي “ثقيل” بلغت قيمته ثمانية ملايين سنتيم، موجة من التساؤلات المشروعة داخل الجسم الصحفي والحقوقي حول “فلسفة العقاب” في قضايا النشر والتشهير بالمغرب.
رغم أن الحكم لم يودع الصحفي خلف القضبان، إلا أن الإبقاء على العقوبة الحبسية (وإن كانت موقوفة التنفيذ) في ملفات الصحافة يظل مؤشراً مقلقاً. فاستمرار حضور “شبح الحبس” في منطوق الأحكام يكرس نوعاً من “الرقابة الذاتية” ويجعل مقص الرقيب يسكن مخيلة الصحفي قبل كتابة أي سطر، مما يفرغ قانون الصحافة والنشر من روحه التحررية التي بشرت بإلغاء العقوبات السالبة للحرية.
النقطة الأكثر إثارة للجدل في هذا الحكم هي قيمة التعويض (80 ألف درهم). نحن هنا أمام “عقوبة مالية” تفوق القدرة المادية لأغلب الصحفيين الممارسين، مما يحول التعويض من أداة لـ “جبر الضرر” إلى وسيلة لـ “الإنهاك المادي” والترهيب المهني. إن الحكم بتعويضات خيالية في قضايا الرأي يطرح علامة استفهام حول التناسب بين “الخطأ المهني” المفترض وحجم “العقوبة المالية” التي قد تؤدي بالصحفي إلى الإفلاس أو العجز عن السداد، وهو ما يعد “إعداماً معنوياً” للمهني.
لا أحد يجادل في حق الأفراد والمؤسسات في حماية اعتبارهم الشخصي من القذف والتشهير، لكن القضاء، باعتباره حامي الحقوق والحريات، مطالب بإحداث توازن دقيق. فالإفراط في حماية “الاعتبار الشخصي” عبر أحكام قاسية قد يؤدي، عن غير قصد، إلى تجفيف منابع النقد البناء وإخراس الأصوات التي تنبش في ملفات الشأن العام.
إن قضية الصحفي يونس أفتيط ليست مجرد ملف شخصي، بل هي مرآة تعكس الصراع المستمر بين سلطة “القلم” وسلطة “القانون”. والأمل يبقى معقوداً على محطة الاستئناف لتصحيح هذا المسار، عبر إقرار حكم ينتصر لروح العصر، ويضمن كرامة الأفراد دون أن يكسر قلم الصحفي أو يثقل كاهله بما لا يطيق.
ويتشدق الكثيرون بأن المغرب قطع مع العقوبات السالبة للحرية في قضايا الصحافة، لكن الواقع يثبت أننا أمام “التفاف قانوني” بامتياز. فما الفائدة من عدم دخول السجن إذا كان الصحفي سيواجه “الإعدام المالي”؟ إن الحكم بـ 80 ألف درهم كتعويض في بيئة مهنية يعاني فيها الصحفي أصلاً من الهشاشة المادية، هو دفع مباشر نحو “الاستقالة المهنية” أو “الصمت المطبق”.
والغريب في مثل هذه الأحكام هو غياب “معايير التناسب”. كيف يتم تقدير الضرر بثمانية ملايين سنتيم؟ هل هو لجبر خاطر المشتكي أم لكسر شوكة المشتكى به؟ إن تحويل المحاكم إلى منصات لتصفية الحسابات مع الصحفيين عبر طلبات تعويض خيالية، يفرغ العمل الصحفي من محتواه الرقابي ويحوله إلى مهنة محفوفة بمخاطر “الإفلاس”.
إن استسهال النطق بأحكام مالية ثقيلة في ملفات الرأي، يخدم أجندة واحدة: صناعة “صحافة مهادنة” تخشى النقد مخافة الوقوف أمام شبح “التعويضات التعجيزية”. قانون الصحافة الحالي، بثغراته التي تسمح بهذا التغول المادي، يحتاج إلى مراجعة حقيقية تضع سقفاً منطقياً للتعويضات، حتى لا يصبح القضاء -عن قصد أو غير قصد- أداة في يد “اللوبيات” لإخراس كل صوت يغرد خارج سرب الرضا.
في نهاية المطاف، يبدو أن “الحرية” في عرف البعض لها ثمن باهظ، ومن لا يملك “ثمانية ملايين” عليه أن يكسر قلمه ويغلق فمه. قضية يونس أفتيط هي امتحان جديد لمدى استقلالية وشجاعة القضاء في حماية حرية التعبير من “تغول” المطالبين بالتعويضات الكيدية الذين يريدون تحويل النقد إلى “تجارة مربحة” على حساب كرامة المهنة.