“سير واجي”: القصة الكاملة لملفات الجمعيات التي أكلها الغبار بملحقات مراكش
بوجندار _____عزالدين / مدير نشر
المقال الواحد والثلاثون بعد ثلاثمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: بين شطط الملحقات وصمت العمالة: من يطلق سراح الملفات المحتجزة بمراكش؟
في الوقت الذي يتحدث فيه دستور 2011 عن “الديمقراطية التشاركية” ويرفع فيه المغرب رهان “الرقمنة” و”تجويد الخدمات الإدارية”، لا تزال عشرات الجمعيات والتكتلات النقابية ببعض الملحقات الإدارية تصطدم بجدار صامت من “البلوكاج”. ملفات كاملة الأركان، قانونية المنشأ، لكنها مودعة “فوق الرفوف” بلا وصل إيداع ولا جواب رسمي، في وضعية تجمد نبض المجتمع المدني وتضعه في “قاعة الانتظار” إلى أجل غير مسمى.
ينص قانون الحريات العامة بوضوح على أن التصريح بتأسيس الجمعيات أو تجديد مكاتبها يخضع لنظام “التصريح” وليس “الترخيص”. قانونياً، يفترض أن يتسلم أصحاب الملف وصلاً مؤقتاً مختوماً فور وضع ملفهم. لكن الواقع في بعض المقاطعات والملحقات يكشف عن “اجتهادات” إدارية خارج النص القانوني؛ حيث يتم تسلم الملفات “ودياً” دون منح أي إثبات مادي على التسلم، مما يضع الجمعية في فراغ قانوني يمنعها من فتح حساب بنكي أو تنظيم أنشطة رسمية.
أخطر ما يواجه العمل الجمعوي والنقابي اليوم هو “الجواب بالصمت”. فبدل أن تفعل الإدارة سلطتها في الاعتراض عبر القضاء إذا شابت الملف شائبة، تختار “تعليق” الملفات. هذا الصمت الممنهج يطرح تساؤلات جوهرية: هل هو خلل في الحكامة الإدارية؟ أم هو “فيتو” غير معلن على بعض التكتلات؟ هذا الوضع يحول “عون السلطة” أو “القائد” في بعض الأحيان إلى سلطة تقديرية تفوق سلطة القانون.
عندما تُحبس ملفات الجمعيات في “رفوف الملحقات”، فإن المتضرر الأكبر هو المواطن. جمعيات الأحياء، المنظمات الحقوقية، والتكتلات المهنية هي “الوسيط” الضروري بين الدولة والمجتمع. تعطيل وصولاتها يعني حرمان فئات واسعة من التأطير، ومن حق التنظيم النقابي الذي يكفله الدستور، بل ويضرب في العمق مصداقية الخطاب الرسمي الداعي إلى إشراك المجتمع المدني كشريك في التنمية.
إن الخروج من هذا النفق يتطلب تفعيل مقتضيات قانون “تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية” (القانون 55.19)، الذي يمنع الإدارة من مطالبة المرتفق ببيانات متوفرة لديها، ويجبرها على تقديم وصل استلام. إن تحرير “الملفات المعلقة” ليس مطلباً فئوياً، بل هو ضرورة ديمقراطية لضمان سيادة القانون فوق “مزاجية” الإدارة
إن بناء مغرب المؤسسات، الذي يطمح إليه الجميع، لا يستقيم مع ممارسات إدارية “بائدة” تضع العمل الجمعوي تحت رحمة “الرفوف”. إن المسؤولية اليوم ملقاة على عاتق وزارة الداخلية لتطهير بعض الملحقات الإدارية من هذه الممارسات، ولضمان أن يظل “وصل الإيداع” حقاً دستورياً مكفولاً، لا “هبة” تُمنح لمن تشاء الإدارة وتُمنع عمن تشاء.
إن استمرار هذا الوضع ببعض ملحقاتنا الإدارية ليس مجرد تعثر مسطري، بل هو اغتيال معنوي لمفهوم المواطنة التشاركية. وأمام هذا التغول الإداري الذي يترك الجمعيات والنقابات في ‘برزخ’ قانوني، لا هي موجودة ولا هي منعدمة، يُطرح التساؤل بمرارة عن دور الجهات الوصية بعمالة مراكش؛ التي يبدو أنها اختارت التموقع في مقعد ‘المتفرج’ على نزيف الحريات العامة، بدل التدخل لتصحيح المسار وفرض سيادة القانون. إن دور العمالة ليس مراقبة الوضع عن بعد، بل هو الحرص على ألا تتحول الملحقات الإدارية إلى ‘إقطاعيات’ تمنح وتمنع الأنفاس القانونية وفق الأمزجة. فإلى متى ستظل ‘رفوف’ مراكش مقبرة للمبادرات المدنية في ظل صمت وصاية لا تحرك ساكناً؟