إقليم الرشيدية.. واحة أوفوس كنموذج لفسيفساء الهوية المغربية

0 1

متابعة :  بوجندار______ عزالدين.

“تاريخ أوفوس بالرشيدية.. قرون من التعايش ترفض الاختزال العرقي”

 

ليس من الإنصاف المعرفي، ولا من الموضوعية التاريخية في شيء، أن تُختزل واحة “أوفوس” القابعة في قلب إقليم الرشيدية داخل قالب هوياتي أحادي، أو أن يُراد لها اليوم تحت وطأة نزعات أيديولوجية معاصرة، أن تُقدَّم كجغرافيا أمازيغية أو عربية خالصة، وكأن ذاكرتها الجماعية لم تولد إلا من رحم مكوّن واحد. إن واحة أوفوس، في امتدادها الجغرافي والاجتماعي عبر ضفاف وادي زيز بـإقليم الرشيدية، كانت وما تزال فضاءً حياً تتجاور فيه القصور العربية والأمازيغية، وتتشابك في أزقته الطينية العلاقات الإنسانية والثقافية والاقتصادية، بعيداً عن منطق الإقصاء والتصنيفات العرقية المصطنعة.

 

من حدود “زاوية املكيس” بمقوماتها التاريخية إلى تخوم “قصر الدويرة” بجماعة الرتب، يمتد هذا المجال الواحي ليرسم لوحة فسيفسائية فريدة من التنوع البشري واللغوي الذي ميز تاريخ إقليم الرشيدية (تافيلالت الكبرى). غير أن هذا التعدد لم يكن يوماً في جوهره سبباً للقطيعة أو وقوداً للصراع بين الساكنة؛ بل كانت العربية والأمازيغية، على مر العصور، لغتين للتواصل اليومي وجسرين للعبور نحو الآخر، ولم تتحولا يوماً إلى جدران إسمنتية تفصل بين أبناء الطين الواحد والبلدة الواحدة.

 

لقد أثبتت السيرورة التاريخية والسوسيولوجية بالمنطقة أن أواصر المصاهرة والقرابة كانت دائماً أقوى من أي تصنيف عرق، وأن قيم الجوار والعيش المشترك وضوابط “أعراف القصور” كانت أمتن من أي حدود لغوية، مثلما كانت المصالح الحياتية اليومية وتقاسم مياه السقي عبر “الخطارات” ونظام “النوبة” أقوى من أي محاولة لفرز الناس وترتيبهم وفق أصولهم أو ألسنتهم. في أوفوس، تزاوجت العائلات، واقتسم الناس الماء والكلأ والأرض والأسواق، لتتشكل عبر الأجيال بنية اجتماعية متداخلة ومعقدة، يستعصي على أي قراءة سطجية اختزالها في خانة عرقية ضيقة.

 

بناءً على هذا الإرث التليد، فإن المحاولات الراهنة لإلباس أوفوس ثوباً هوياتياً ضيقاً، والترويج لها بوصفها حكراً على هوية دون أخرى، لا يخدم تاريخ إقليم الرشيدية بقدر ما يشوه حقائقه. فالتاريخ لا يُكتب بالرغبات الذاتية، ولا يُعاد تشكيله وفق الأجندات السياسوية والمواقف الإيديولوجية الآنية، وإنما يُقرأ من خلال وقائع الأرض، وحفريات الذاكرة المشتركة، والروابط العضوية التي نسجها الناس بدمائهم وعرقهم في مواجهة قساوة الطبيعة وحماية الواحة.

لم تكن اللغة في قاموس أوفوس وسيلة للتفرقة، ولم تكن الأمازيغية أو العربية معياراً لتحديد قيمة الإنسان أو درجة انتمائه للواحة. كان المحك الحقيقي للمواطنة الواحية هو الجيرة والنسب، والمصاهرة والعمل، والارتباط الوجداني بالمجال.

 

إن تحويل الاختلاف اللغوي الطبيعي إلى صراع هوياتي مفتعل هو إسقاط قسري لمفاهيم ونزاعات معاصرة على واقع اجتماعي وتاريخي مختلف تماماً. لقد عاش أبناء هذه الربوع من تافيلالت واقعهم ببساطة وتلقائية؛ يتحدث هذا بالعربية، وينطق ذاك بالأمازيغية، وقد يجتمع اللسانان داخل الأسرة الواحدة، أو في حلقة السوق وحوض الحقل، دون أن يشعر أي منهما بأن اختلاف اللسان يهدد وحدة الوجدان أو يخدش نسيج التعايش الذي سيبقى دائماً ميزة تاريخية لإقليم الرشيدية وعصياً على كل المزايدات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.