الخطاب الملكي لعيد العرش 2025.. من “مغرب الصعود” إلى “مغرب الإنصاف المجالي”
بوجندار_عزالدين / المشاهد
في ذكرى تربعه على عرش أسلافه الميامين قبل ستة وعشرين عامًا، خاطب الملك محمد السادس نصره الله شعبه الوفي بخطاب تميز هذه السنة بنبرة واقعية، صريحة، ودالة، عاكسة لتحولات عميقة تشهدها المملكة، ومرسخة لمسار تنموي بدأ منذ اعتلاء جلالته العرش، لكنه لم يُستكمل بعد.
الخطاب، الذي جاء في ظرفية داخلية ودولية دقيقة، افتُتح كالعادة بتجديد أواصر البيعة المتبادلة بين الملك والشعب، لكنها لم تكن مجرد طقوس رمزية، بل مناسبة للتوقف عند مكامن القوة ونقاط النقص، في محاولة لرسم معالم مغرب الغد انطلاقًا من تقييم مشترك للماضي والحاضر.
من أبرز ما شد الانتباه في الخطاب الملكي هو التركيز على التحول الاقتصادي الذي يعرفه المغرب، والاعتراف في الآن ذاته بأن هذه المكاسب الاقتصادية، مهما عظُمت، لا يمكن أن تُقاس إلا بمدى انعكاسها المباشر على حياة المواطنين. لقد اختار الملك أن يتحدث بلغة الأرقام والمعطيات حين تحدث عن مضاعفة الصادرات الصناعية، وتنوع قطاعات النمو، والانفتاح على ثلاث مليارات مستهلك عبر اتفاقيات التبادل الحر. لكنه في الآن ذاته، لم يتردد في الإقرار بأن هذه الإنجازات تظل منقوصة ما لم تمس المواطن البسيط في العالم القروي وفي المناطق التي تعاني من الفقر والهشاشة.
العبارة المفتاحية في الخطاب كانت بلا شك: “لا مكان اليوم ولا غدًا لمغرب يسير بسرعتين”. إنها صيحة تنبيه أكثر منها مجرد توصيف للواقع. من هنا تنبثق رؤية جديدة دعا إليها جلالة الملك، قوامها تجاوز منطق “التنمية الاجتماعية” نحو أفق أوسع وأكثر جرأة، هو “التنمية المجالية المندمجة”، أي بناء مغرب منصف، يُثمّن الخصوصيات الجهوية ويعطي لكل منطقة إمكانيات النهوض الذاتي في إطار التضامن والتكامل.
هذا التوجه الجديد يضع على عاتق الحكومة والفاعلين السياسيين مسؤولية جسيمة لإعداد جيل جديد من البرامج، تكون واضحة الأهداف، دقيقة الأولويات، ومبنية على تشخيص حقيقي للواقع الترابي والاجتماعي. فالمطلوب اليوم ليس فقط ضخ الأموال، بل توحيد الجهود وإعمال الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وإذا كان هذا النموذج الجديد سينطلق فعليًا، فإن أبعاده ستمتد لعقود، وسيُعيد تشكيل علاقة المواطن بمؤسسات الدولة من جديد.
الخطاب لم يخلُ من رسائل سياسية واضحة، أبرزها تأكيد جلالة الملك على ضرورة الإعداد المبكر والجيد للانتخابات التشريعية المقبلة لسنة 2026، وإعطاء توجيهات مباشرة لوزير الداخلية لفتح المشاورات مع الفاعلين السياسيين، مع التأكيد على أن الأطر القانونية المنظمة للانتخابات يجب أن تُعرف قبل نهاية هذه السنة. إنها إشارة واضحة على احترام الآجال الدستورية، ورفض أي تأجيل غير مبرر، مع دعوة ضمنية للأحزاب للاستعداد الجاد وإعادة بناء ثقة المواطن.
على الصعيد الخارجي، جدد الملك محمد السادس موقفه الثابت من العلاقة مع الجزائر، مؤكدًا أن الشعب الجزائري شعب شقيق، وأن اليد المغربية ما زالت ممدودة لحوار صريح ومسؤول. الخطاب في هذا الجانب اتسم بالهدوء والرصانة، مع التشبث بالمبدأ دون عدوانية أو مزايدة، وهو موقف بات يُشكّل ركيزة من ركائز الدبلوماسية المغربية الحديثة.
وفي ملف الصحراء، عبر الملك عن ارتياحه للدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، مستعرضًا مواقف دول وازنة مثل المملكة المتحدة والبرتغال، ما يعكس المكاسب الدبلوماسية المتواصلة للمملكة في هذا الملف، ويؤكد أن الحل الواقعي الوحيد هو الذي يحترم السيادة المغربية ويمنح للساكنة حق تدبير شؤونها في إطار الوحدة الوطنية.
وقد اختتم الملك خطابه بتحية خاصة لكل القوات الأمنية والعسكرية والترابية، كتعبير عن التقدير لمجهوداتها في صون أمن الوطن واستقراره، واستحضار لأرواح الشهداء، وعلى رأسهم المغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني.
في النهاية، يمكن القول إن خطاب عيد العرش لهذه السنة كان أكثر من مجرد خطاب مناسبات. لقد كان دعوة صريحة لإحداث نقلة نوعية في بنية الدولة الاجتماعية، وفي عقلية التخطيط الترابي، وفي ثقافة الإنصاف المجالي. هو خطاب يؤسس لمرحلة جديدة، تُعلي من شأن المواطن، وتربط التنمية بالعدالة، والإنجاز بالكرامة.