مراكش “البهجة”: حين تبتسم “أرض الله” لزوارها

0 42

بوجندار_____عزالدين /مدير نشر

 

“مراكش.. حيث يهمس التاريخ للحداثة في صمت الأسوار”.

أن ضرب يوسف بن تاشفين معوله الأول في تراب “تغمات” معلناً ميلاد مراكش عام 1062م، لم تكن هذه المدينة مجرد تجمع سكاني، بل كانت إعلاناً عن ولادة إمبراطورية غيرت وجه التاريخ في شمال إفريقيا والأندلس. اليوم، تقف مراكش (المدينة الحمراء) كجسر يربط بين عظمة “الأمس” وتحديات “اليوم”.

تأسست مراكش لتكون عاصمة للمرابطين، ومنها انطلقت جيوشهم لتوحيد المغرب والأندلس. لم تكن مجرد مدينة حربية، بل كانت مركزاً للإشعاع العلمي والديني.

_ العصر الموحدي: شهدت المدينة طفرة عمرانية كبرى؛ حيث شيد الموحدون صومعة “الكتبية” التي لا تزال شامخة كمنارة للعمارة الإسلامية، وأسسوا نظام “الخطارات” (قنوات الري تحت الأرض) الذي جعل من صحراء مراكش واحة خضراء.

_ العصر السعدي: بلغت المدينة ذروة الترف المعماري، وتعتبر “قبور السعديين” وقصر “البديع” شاهدين على حقبة كانت فيها مراكش محط أنظار العالم بفضل تجارة الذهب والسكر.

يُعد اللون الأرجواني أو “الحمري” الذي يكسو جدران المدينة علامتها المسجلة. هذا الالتزام بالهوية البصرية، المفروض بقوة القانون والعرف، ليس مجرد زينة، بل هو استمرار لاستخدام التربة المحلية (الطابية) في البناء، مما خلق تناغماً فريداً بين الطبيعة والعمران.

في القرن الحادي والعشرين، خضعت مراكش لعملية “تحديث” ذكية، حولتها إلى عاصمة سياحية عالمية ومقر للمؤتمرات الدولية (مثل كوب 22 واجتماعات البنك الدولي).

الازدواجية الحضرية: تعيش مراكش اليوم بشخصيتين؛ “المدينة العتيقة” بأسوارها وأسواقها الشعبية التي تضج بالحياة التقليدية، وحي “جيليز” و”المنارة” الذي يمثل الوجه العصري بالفنادق الفاخرة، والمتاجر العالمية، والمراكز الثقافية مثل متحف “إيف سان لوران”.

ساحة جامع الفنا: لا تزال هذه الساحة هي “قلب المدينة النابض”، وقد صنفتها اليونسكو كأول تراث شفوي للإنسانية، حيث تلتقي فيها فنون الحكاية، والموسيقى، والمطبخ المغربي، مما يجعلها مسرحاً مفتوحاً لا يتوقف عن العرض

رغم بريقها، تواجه مراكش اليوم تحديات جسيمة:

_ الضغط الديموغرافي والسياحي: الذي يهدد البنية التحتية للمدينة القديمة.

_ التغير المناخي: الذي يفرض إعادة النظر في تدبير الموارد المائية(خاصة مع تراجع واحة النخيل).

_ الحفاظ على الأصالة: الموازنة بين متطلبات السائح المعاصر وبين الحفاظ على هوية “المراكشي” البسيط وحرفته اليدوية.

مراكش ليست مجرد مدينة سياحية، بل هي “ذاكرة حية”. سر قوتها يكمن في قدرتها العجيبة على استيعاب الحداثة دون أن تفقد رائحة البخور والبهارات التي تفوح من أزقتها القديمة. إنها المدينة التي قال عنها المؤرخون: “مراكش مكتوبة على وجه الأرض، لا تمحوها الأيام”.

 

وتظل مراكش عصية على النسيان، فهي ليست مجرد مدينة، بل هي قصيدة مكتوبة باجر طيني أحمر فوق أديم الزمن. هي المدينة التي تفتح لك أبوابها السبعة لتُدخلك في دوامة من الجمال؛ تبدأ من صومعة الكتبية التي تقف كحارس وفيٍّ للتاريخ، مروراً بـقصر الباهية بنقوشه التي تحكي ترف السلاطين، ووصولاً إلى أسوارها المنيعة وقبور السعديين ومدرسة بن يوسف، حيث يهمس الحجر بقرون من المجد والعلم.

لكن مراكش لا تعيش في الماضي فقط؛ فهي مدينة متجددة تعرف كيف تُطوع العصر لخدمة أصالتها. ولعل محطة القطار الجديدة بمراكش هي أبلغ دليل على هذا التزاوج؛ فهذه المعلمة المعمارية التي تُعد من “أجمل الصور الحديثة” في مدينة النخيل، لم تُبنَ لتكون مجرد محطة عبور، بل صُممت لتكون تحفة فنية تمزج بين الأقواس المغربية التقليدية والهندسة العصرية المعتمدة على الضوء والفضاءات الشاسعة. إنها البوابة التي تستقبل الزوار لتخبرهم أنهم وصلوا إلى مدينة “سبعة رجال”، حيث تلتقي فخامة “الحاضر” بقدسية “التاريخ”.

بين أزقة المدينة العتيقة التي تفوح برائحة المسك، وبين هدير القطارات السريعة والمنشآت الحديثة، تبقى مراكش “نجمة المغرب” التي لا تأفل، والمدينة التي كلما زرتها، شعرت أنك تكتشفها لأول مرة.

وتبقى مراكش أكثر من مجرد إحداثيات على الخارطة؛ إنها أرض الله (Amur n Akush) كما سماها الأجداد الأمازيغ، والمدينة التي اختصرت هوية وطن في لون جدرانها وروح سكانها. فبين شموخ ‘الكتبية’ وأناقة محطة القطار الجديدة، ترسم مراكش لوحة فريدة تبرهن فيها أن الحداثة لا تكتمل إلا بجذور ضاربة في التاريخ. هي مدينة ‘البهجة’ التي تبتسم للغرباء وتفتح ذراعيها للمستقبل، لتظل دائما القلب النابض للمملكة، والقبلة التي تهفو إليها الأرواح قبل الأجساد.. فمن ذا الذي يدخل مراكش ولا يترك فيها قطعة من قلبه؟”

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.