سماسرة صناديق الاقتراع.. عندما يرتدي “الريع الانتخابي” جلباب الجمعيات!
متابعة: حمد الله ولد الدريبة
مراكش.. عندما تتحول “شراكات الصحة” إلى خزان انتخابي ويسقط المجتمع المدني في فخ الوساطة.
مع كل اقتراب للمواعيد الانتخابية بتراب عمالة مراكش، يستيقظ المواطن المراكشي على وقع نفس السؤال الحارق والمألوف: “فين غادي بينا خويا فين غادي بنا؟”. هذا التساؤل ليس مجرد صرخة عابرة، بل هو انعكاس لواقع مرير يعود فيه إلى الواجهة منطق “ممنوع اللمس أو التكلم”، حيث تتحول بعض هوامش العمل الجمعوي من فضاءات لخدمة الصالح العام والدفاع عن قضايا الساكنة، إلى مفاتيح انتخابية تشتغل تحت الطلب لصالح مرشحين بعينهم، خصوصاً في قطاعات حساسة تمس المعيش اليومي للمواطن كقطاع الصحة.
إن ما يثير الاستياء والجدل العارم اليوم في الأوساط المراكشية، هو ركوب بعض الوجوه الجمعوية على “اتفاقيات الشراكة والتعاون” في الشق الصحي، وتحويلها من قنوات للدعم الطبي والاجتماعي إلى أدوات للضغط والاستقطاب السياسي. في هذا المشهد المنحط، يتحول “الفاعل الجمعوي” المفترض فيه النزاهة والاستقلالية، إلى “سمسار انتخابات” أو “وسيط أصوات” يوظف حاجة المواطن الضعيف للعلاج والتطبيب، ويقايضها بالولاء لصناديق الاقتراع لصالح مرشحين يرتدون وزرة الطب في النهار، ويمارسون “الهندسة الانتخابية” في الليل.
هذا التوظيف الفج للعلاقات الاجتماعية والمآسي الإنسانية في حسابات سياسوية ضيقة، لا يضرب فقط في عمق مصداقية العمل الجمعوي ونبل أهدافه، بل يكرس نوعاً من “الريع الانتخابي” الذي يستغل فقر وحاجة الفئات الهشة. إن تحويل قوافل طبية أو خدمات صحية مدعمة من المال العام أو من شراكات مؤسساتية إلى “هدايا انتخابية” مغلفة بنشاط جمعوي، هو تشويه صارخ للقانون ومس خطير بنزاهة التنافس السياسي الشريف.
أمام هذا الوضع المقلق، تتوجه الأنظار مباشرة إلى السلطات الإقليمية والمحلية بجهة مراكش _ آسفي، والجهات الوصية على تتبع ومراقبة الدعم العمومي والعمل الجمعوي. فالشارع المراكشي اليوم يطالب بوقفة حازمة وتدخل صارخ لقطع دابر هذه الممارسات التي تسيء إلى المسار الديمقراطي للمملكة. لم يعد مقبولاً الوقوف في منطقة الحياد السلبي تجاه “جمعيات المقايضة”، بل بات من الضروري تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، وضمان فصل تام وغير مشروط بين الدعم الاجتماعي الموجه للمواطنين وبين الأجندات الانتخابية للمرشحين. إن حماية كرامة المواطن المراكشي وصون نبل العمل المدني يقتضيان وضع حد نهائي لظاهرة “وسطاء صناديق الاقتراع” الذين يتاجرون بآلام الناس لضمان مقاعد مريحة.
بناءً على هذا الواقع المسكوت عنه، وجب توجيه رسالة مباشرة وواضحة لـ “سيدي الفاعل الجمعوي”: “ادخل لِسوق راسك” واترك قطار التنافس السياسي يمر في طريقه الطبيعي. إن زمن الوساطة وتجارة الأصوات قد ولى، وعلى أولئك المرشحين الذين يعملون في الشق الصحي بمراكش أن يواجهوا المراكشيين بشكل مباشر وبلا مساحيق جمعوية. لا داعي للاختباء وراء قناع العمل الإنساني، ولا مبرر لوجود وسيط بين الطبيب المرشح وبين المواطن الناخب. اتركوا للمراكشيين حرية الاختيار بناءً على البرامج والكفاءة، لا بناءً على مقايضة العلاج بالصوت الانتخابي، فكرامة المواطن المراكشي فوق كل الحسابات الضيقة، وصناديق الاقتراع يجب أن تعكس إرادة الشعب الحقيقية لا صفقات “الوسطاء الجدد”.