بين باب دكالة والفخارة.. رحلة شتات يومية لمرضى السكري والضغط بمراكش!

0 26

متابعة : بوجندار ________عزالدين.

 

في زمن تتردد فيه أصداء الشعارات الرسمية مناديةً بتعميم التغطية الصحية، وتقريب المرفق الطبي من نبض المواطن البسيط، تطالعنا في حواشي المدينة الحمراء مفارقة تدبيرية غريبة، تكاد لغرابتها وعقمها تنتمي إلى مسرح العبث الإداري. إن ما تشهده أحياء “الحارة”، “الحي الشتوي”، و”جيليز” بمراكش منذ زهاء أربعة أشهر، جراء الإغلاق الفجائي وغير المبرر لـ مستوصف باب دكالة، ليس مجرد تعثر إداري عابر، بل هو تشذيب قسري لحق دستوري مكفول، واستهانة صريحة بآلام المرتفقين وأوجاع الساكنة.

 

تُغلق الأبواب في وجه المرضى، ويُسدل الستار على خدمات شريان صحي حيوي محاذٍ لأحد الأسواق الكبرى، تحت يافطة “أسباب غامضة” لا يستسيغها عقل ولا يدعمها واقع؛ إذ إن المعاينات الميدانية المتواترة لعين المكان تؤكد خلوّ المستوصف من أي ورش للإصلاح أو معالم للتهيئة قد تبرر هذا الجمود المريب. وفي غياب قنوات التواصل المؤسساتي الواضح، وجد المواطن المراكشي نفسه مدفوعاً إلى “شتات طبي” مكوكى، يُقذف به تارة نحو مستوصف “باب تغزوت”، وتارات أخرى نحو مستوصف “الفخارة” في رحلة اغتراب صحي أرهقت الكاهل واستنزفت الجيوب.

 

إن هذا القرار الارتجالي لا يقف عند حدود الإزعاج الإداري، بل هو إمعان في تعميق جراح الهشاشة الاجتماعية والفقر التي ترخى بظلالها على فئات واسعة من ساكنة هذه الأحياء. كيف يسوغ لمنطق التدبير الحكيم أن يُلزم شيخاً فانياً أو كهلاً أعياه داء السكري وارتفاع ضغط الدم، أو أماً تلفحها الهجير وهي تحمل رضيعاً ينشد جرعة تلقيح، بقطع مسافات طوال نحو مستوصف “الفخارة” النائي؟ أهكذا تُترجم سياسة الرعاية الاجتماعية في مكاتب المسؤولين؟ أم أن بُعد المسافة بين جغرافيا المعاناة والمكاتب المكيفة قد حجب رؤية الحقيقة؟

 

والمفارقة الصادمة التي تزيد المشهد قتامة، هي أن هذا الصرح الصحي المغلق كان نموذجاً يُحتذى في المردودية والنجاعة، بفضل أطر طبية وتمريضية مشهود لها بالكفاءة العالية ونبل المعاملة وحسن الارتفاق. فبأي مسوغ يُعطل هذا الرأسمال البشري المؤهل، ويُحرم المواطن من ثمار تفانيه الإنساني؟

 

إن صمت المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بمراكش-آسفي إزاء هذا الوضع المقلق هو صمت مريب يطرح أكثر من علامة استفهام حول حكامة القطاع بالجهة. إن المرض لا ينتظر المساطر السلحفاتية، وآلام الناس لا تؤجلها التأشيرات الإدارية. ومن هذا المنبر، نضع المسؤول الأول عن القطاع أمام مسؤوليته الأخلاقية والقانونية للتعجيل بفتح هذا المرفق، فصبر الساكنة قد بلغ مداه، والتلاعب بالأمن الصحي للمواطنين خط أحمر لا يقبل التجاوز!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.