حين يتحول الغضب إلى رماد.. من يخسر؟
بوجندار_____عزالدين/ المشاهد
بقلم : الدكتور محمد مبارك
في لحظات التاريخ التي يشتعل فيها الغضب، يظن بعضنا أن النار هي المسرب الوحيد لتغيير ملامح الواقع, لكن الحقيقة هي أن النار لا تضيء إلا حين تُوجَّه لتدفئة الأرواح، أما حين تُطلق في الشوارع، فإنها لا تُخلِّف إلا الرماد.
إن ما نشهده اليوم من أعمال تخريب وحرق للسيارات واقتحام للمؤسسات ورغبة في الاستيلاء على ما هو ملك عام، ليس سوى صورة من صور العدمية، حيث يتحول الإنسان من فاعل للتغيير إلى أداة للفوضى، وهنا نفقد جوهر الحرية، لأن الحرية التي لا يحكمها العقل تتحول إلى عبودية للنزوات والانفعال.
إن حرب الشوارع تقتل المعنى وتطفئ الأمل، فحين نُحطّم الممتلكات العامة، فنحن لا نثور على الظلم والجور، وإنما نثور على ذواتنا وأحلامنا، وعلى الغد الذي أردناه أفضل وأجمل، لأن الوطن ليس سلطة مجردة ولا جدارًا من حجر، وإنما هو مرآة أرواحنا، فإذا هشمناها بأيدينا، لم يبقَ لنا ما ننظر فيه إلا الشظايا، لذلك فإن النضال الحقيقي هو الذي يفتح باب الإصلاح لا باب الخراب، وهو الذي يبني جسورًا لا متاريس.
إن في قلب كل احتجاج يختبئ سؤال وجودي عميق: هل نحن أحرار حقًّا، أم أننا فقط نبحث عن ذريعة لتفريغ ما بداخلنا من عبث وضياع؟
وقد صرح سارتر ذات مرة بأن “الإنسان محكوم عليه بالحرية”، والحرية هنا ليست أن نفعل ما نشاء بلا قيد، بل أن ندرك أن كل فعل نتبناه هو مسؤولية أخلاقية وتاريخية أمام الله وأمام الوطن، فحين يحرق البعض السيارات أو يحاول اقتحام المؤسسات، يظن أنه يثور على الظلم، لكنه في الحقيقة يوقع نفسه في عبودية جديدة، إنها عبودية الفوضى.
إن التمرد الذي يهدم بلا أفق، ليس سوى وجه بئيس للعبث، لذا ما الجدوى من حرق وطنك لتثبت أنك غاضب؟ صحيح ان الغضب طاقة، لكنه إن لم يتحول إلى بناء، فهو مثل النار التي تأكل صاحبها قبل أن تمسّ غيره.
إن الحرية بلا مسؤولية ليست حرية، بل سقوط في اللامعنى، والاحتجاج بلا وعي ليس سوى استسلام للفراغ. الوطن هو ساحة وجودنا المشتركة، فإذا أحرقناه، فإننا نُحرق أنفسنا في مرآته.
فلنسأل أنفسنا قبل أن نرشق حجرًا أو نشعل نارًا:
أي معنى نتركه خلفنا؟ هل نريد أن نصير جيلًا يُذكر بالفوضى، أم جيلًا يُذكر بأنه أعاد للوطن روحه؟
إن الخيار وجودي قبل أن يكون سياسيًا: فإما أن نصنع معنى بالمسؤولية، أو نستسلم لعبث يلتهمنا جميعًا.
ولهذا فلنصغ إلى نداء العقل: أوقفوا النزيف قبل أن يبتلعنا الفراغ، أوقفوا التخريب، لأن كل حجر يُحطّم اليوم سيُحمل غدًا كوزر فوق أعناق أبنائنا.
ولنتذكر أن الثورة على الذات أعمق وأشرف من الثورة على الحجر.