المسرح المغربي… حين يصفق الصمت
بوجندار_عزالدين المشاهد
متابعة _ أبو الآء
في زمنٍ كانت فيه الخشبة منبرًا للأفكار، وفضاءً يلتقي فيه الوجدان بالوعي، صار المسرح المغربي اليوم يعيش وضعًا يُدمي القلب، وضعًا يختزل المأساة في جملة واحدة: “المسرح ما بقاش كيعيش… كيتنفس بصعوبة.”
منذ سنوات، والمبدعون يصرخون في الفراغ. قاعات مغلقة، مهرجانات متعثرة، دعم يتوزع بـ”بالمْعَارْفْ”، ووجوه فنية تذوب في الصمت بعد أن أعطت حياتها للفن. لم يعد المسرح ذاك الفضاء الذي يصنع الوعي الجماعي، ولا ذاك الصوت الذي كان يربك السلطة حين يقول الحقيقة على الخشبة. اليوم، أصبح الفنان يبحث عن عمل إداري، أو إعلان تافه، ليؤدي فواتير الحياة.
أين الخلل؟
هل في السياسات الثقافية التي تُعامل المسرح كترفٍ لا كضرورة؟ أم في غياب رؤية واضحة تضمن للفنان كرامته واستمراريته؟ أم في ذهنية ترى الثقافة “كمالية” لا “أساسًا” لبناء الإنسان؟
الحقيقة أن المسرح المغربي اليوم ضحية منظومة كاملة:
وزارة ثقافة تتحدث كثيرًا وتدعم قليلًا.
نقابات فنية ترفع الشعارات وتنسى الأسماء التي تموت في الصمت.
جمهور فقد الثقة بعدما اختلط الإبداع بالرداءة.
و”لوزير او صاحب لوزير” تتسلل إلى الكواليس، فتوزع الأدوار كما تشاء، وتمنح الدعم لمن يعرف “منين توكل الكتف”.
لكن، رغم كل هذا السواد، لا يزال هناك من يقاوم.
هناك فنان يصعد إلى الخشبة الخالية ليقول جملة صادقة، مخرج يقترض ليقيم عرضًا في قرية نائية، وشباب يُبدعون خارج الإطار الرسمي لأنهم يؤمنون أن المسرح ليس “وظيفة”، بل موقف من الحياة.
إنه زمن غريب:
زمن يصفق فيه الصمت بدل الجمهور،
ويكرّم فيه المنسيّون بعد موتهم،
ويُسدل الستار قبل أن يبدأ العرض.
المسرح المغربي لا يحتاج فقط إلى المال، بل إلى احترام حقيقي لدور الفن في تشكيل الوعي. فحين نُهمل الخشبة، نُهمل مرآة المجتمع، وحين نصمت عن تهميش الفنان، نشارك في دفن ذاكرتنا الثقافية.
قد يصفق الصمت اليوم، لكنّ الأمل ما زال في أولئك الذين لا يرضون أن يُغلق الستار على أحلامهم.
فالفن الحقيقي لا يموت… ولو كان جمهوره صامتًا.