تامنصورت… عندما يصبح المقهى فوق القانون، ويُختزل المواطن في زبون قابل للاستغلال

0 221

بوجندار____عزالدين /المشاهد

متابعة: عبدالعزيز_ شطاط

 

تامنصورت، التي كان يُفترض أن تكون نموذجًا لمدينة عمرانية حديثة بضواحي مراكش، لم يعد السؤال المطروح بشأنها هو: أين التنمية؟

بل أصبح سؤالًا أكثر إلحاحًا وخطورة: أين الدولة؟

ما تشهده شوارع وأحياء المدينة اليوم لا يمكن تصنيفه ضمن الاختلالات العابرة، بل يعكس واقعًا أقرب إلى فوضى منظمة، تقودها فئة من أرباب المقاهي الذين حوّلوا الملك العمومي إلى غنيمة مفتوحة، والأرصفة إلى فضاءات تجارية خاصة، والطرقات إلى امتداد غير مشروع لأنشطتهم، في تحدٍّ صريح للقانون ولأبسط قواعد العيش المشترك.

احتلال الأرصفة والساحات العمومية لم يعد يضايق الراجلين فحسب، بل ساهم بشكل مباشر في وقوع حوادث سير خطيرة، بل ومميتة أحيانًا، بين السيارات والدراجات النارية، وهي حوادث سبق للجريدة أن تطرقت إليها في مناسبات سابقة.

سببها واضح: التوسع غير المنظم وغير الأخلاقي للمقاهي داخل الطريق العام، في غياب شبه تام لأي مراقبة فعلية أو تدخل رادع من الجهات المفترض فيها السهر على تطبيق القانون.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الحجر والإسمنت، بل امتد إلى استنزاف جيوب المواطنين بشكل فجّ.

مشروبات لا تتجاوز قيمتها الحقيقية عشرة دراهم، تُفرض على الزبائن بأثمان تتراوح بين عشرين وخمسين درهمًا، دون أي تسعيرة قانونية معلنة، ودون فواتير، ودون أدنى احترام لمبدأ الشفافية أو حماية المستهلك.

الأكثر إثارة للاستغراب أن المواطن لا يتعرض للاستغلال المادي فقط، بل للإهانة المعنوية أيضًا.

مواطن ذنبه الوحيد أنه أراد متابعة مباراة للمنتخب الوطني، يجد نفسه محاصرًا بأسعار خيالية وتعامل مستفز، وكأن الوطنية خدمة مدفوعة الثمن، تُحتسب بالدقائق وبالأثمنة المضاعفة.

وفي هذا السياق، يطرح سكان تامنصورت تساؤلات مشروعة:

كيف تُحارب ظاهرة البناء العشوائي بصرامة في منطقة حربيل، التي تُعد تامنصورت عاصمتها، بينما يُترك احتلال الملك العمومي يتم علنًا ونهارًا من طرف أرباب المقاهي دون حسيب أو رقيب؟

وهل أصبحت الفوضى مقبولة حين تكون مربحة؟

المثير للاستغراب أن الأمر لا يتعلق بغياب علم السلطات، إذ تؤكد مصادر محلية وجود شكايات موثقة تقدم بها مواطنون إلى الجهات المختصة، دون أن يقابلها أي تدخل يذكر.

لا ردود رسمية، ولا إجراءات ميدانية، ولا مؤشرات على وجود إرادة حقيقية لوضع حد لهذا الوضع.

وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات كثيرة، تتراوح بين اللامبالاة والتواطؤ غير المعلن.

الأخطر من ذلك ما يتداوله سكان المدينة بشأن تحوّل بعض المقاهي إلى نقاط تجمع لمروجي المخدرات، ولصوص الدراجات النارية، ومشتبه في تورطهم في أعمال إجرامية مختلفة.

وهنا يبرز سؤال محرج آخر:

لماذا يلتزم عدد من أرباب هذه المقاهي الصمت، ولا يبلغون عن هذه الأنشطة، رغم معرفتهم المسبقة بطبيعة بعض مرتادي محلاتهم؟

هل هو الخوف؟ أم المصالح المشتركة؟ أم أن منطق “السلامة الشخصية” أصبح يُقدَّم على سلامة المدينة وسكانها؟

أمام هذا المشهد، يجد المواطن نفسه مضطرًا لطرح أسئلة قاسية:

هل تامنصورت خارج الجغرافيا القانونية للمغرب؟

هل نحن أمام نموذج لتطبيق انتقائي للقانون، يُفَعَّل في حق الضعفاء، ويُعطَّل عندما يتعلق الأمر بأصحاب الطاولات والكراسي؟

القادم أخطر: مقاهي الشيشة في الأفق

إذا استمر هذا الصمت الرسمي، فإن المدينة لا ينقصها سوى انتشار مقاهي الشيشة، وهو أمر يبدو في طريقه إلى التحقق، ما دام منطق “افعل ما تشاء” هو السائد، وما دام الإفلات من المحاسبة هو القاعدة لا الاستثناء.

خلاصة القول، إن ما يطالب به المواطن ليس امتيازًا ولا مطلبًا تعجيزيًا، بل حقوقًا بديهية:

رصيف صالح للمرور، طريق آمن، تسعيرة قانونية واضحة، ومدينة تحترم نفسها وسكانها.

لقد آن الأوان لتحرك جاد ومسؤول، وتطبيق صارم للقانون، والضرب بيد من حديد على كل من يعبث بالملك العمومي، وكرامة المواطنين، وأمن المدينة.

فالسكوت عن هذا الواقع لم يعد حيادًا، بل أصبح، بحكم الأمر الواقع، مشاركة صامتة في تكريس الفوضى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.