حين يفقد المعلم هيبته… أي مدرسة نترك لأبنائنا؟

0 221

بوجندار____عزالدين/ مدير النشر

متابعة: عبدالعزيز _ شطاط

 

لم تكن المدرسة يومًا مجرد جدران وأقسام وسبورات، بل كانت فضاءً لصناعة الإنسان قبل صناعة المعرفة. فبين دفاتر التلاميذ ونظرات المعلمين تشكلت أجيال كاملة على قيم الاحترام والانضباط وحب العلم.

 

غير أن ما تشهده بعض المؤسسات التعليمية العمومية اليوم يثير تساؤلات عميقة: كيف وصل بنا الحال إلى ما نراه من تمرد بعض التلاميذ على معلميهم وأساتذتهم؟ وكيف تحولت بعض الفصول الدراسية إلى فضاءات تشهد مظاهر من الشغب والسلوك غير المنضبط؟

 

إنها صورة لم تكن مألوفة في زمن مضى. ففي ما يصفه كثيرون بـ”الزمن الجميل”، كان للمعلم هيبة خاصة، وكان الأستاذ يحظى بمكانة رفيعة داخل المجتمع. كان التلميذ ينظر إلى معلمه بعين الاحترام والتقدير، كأبٍ ثانٍ، لا خوفًا منه، بل اعترافًا بفضله ومكانته. وكانت المعلمة تُجسد دور الأم داخل المدرسة؛ تربي قبل أن تُعلِّم، وتوجّه قبل أن تُقيّم.

 

اليوم، تبدو الصورة في بعض الحالات مقلوبة. فبدل أن يخشى التلميذ الوقوع في الخطأ أمام أستاذه، أصبح بعض المعلمين يخشون ردود فعل تلامذتهم أو تبعات شكايات قد تُرفع ضدهم في أي لحظة. وقد وجد عدد من الأساتذة أنفسهم، في حالات مختلفة، موضوع اتهامات تتعلق بسوء المعاملة أو الضرب أو حتى التحرش. وهي قضايا خطيرة تستوجب التحقيق والمتابعة حين تقع، لكنها في الوقت نفسه خلقت لدى بعض رجال ونساء التعليم شعورًا بالضغط والحذر المفرط داخل الفصول الدراسية.

 

وبين ضرورة حماية التلميذ من أي تجاوز، وضمان كرامة المعلم وحقه في أداء رسالته التربوية، يبدو أن التوازن أصبح في كثير من الأحيان هشًا. فكيف نطلب من المعلم أن يقوم بدوره التربوي والتعليمي وهو يشعر بأنه مقيّد أو مهدد في كل لحظة؟ وأي تعليم نريد لأبنائنا إذا أصبح الأستاذ عاجزًا عن فرض الحد الأدنى من الانضباط داخل القسم؟

 

إن المدرسة لا يمكن أن تقوم على الخوف المتبادل بين المعلم والتلميذ، بل على علاقة متوازنة قوامها الاحترام والثقة والمسؤولية. فالتلميذ يحتاج إلى أستاذ قوي في حضوره التربوي، واثق من دوره، قادر على التوجيه والتقويم. كما يحتاج الأستاذ بدوره إلى بيئة تحميه وتمنحه المكانة التي تليق برسالته النبيلة.

 

ولعل المسؤولية هنا لا تقع على المدرسة وحدها، بل تبدأ من البيت. فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الاحترام وقيمة المعلم. وعندما يرى الأبناء آباءهم وأمهاتهم يقدّرون الأستاذ ويجلّونه، فإنهم ينشأون على الفكرة نفسها.

 

لقد حاولنا في أحيان كثيرة إصلاح بعض الاختلالات داخل المدرسة، لكننا – وكما يقول المثل الشعبي – “جينا نكحلوها فعْميناها”، حين اختل التوازن بين حماية التلميذ والحفاظ على هيبة المعلم.

 

إن استعادة المدرسة لروحها الحقيقية تمر عبر إعادة الاعتبار لمكانة المعلم والأستاذ داخل المجتمع، دون أن يعني ذلك التساهل مع أي تجاوز. فالتعليم الناجح يقوم على معادلة واضحة: تلميذ محترِم… وأستاذ محترَم.

 

ولعل أجمل نصيحة يمكن أن تُوجَّه اليوم إلى الآباء هي أن يعيدوا أبناءهم إلى قيم ذلك الزمن الجميل؛ زمن كان فيه العلم يُطلب بأدب، وكان احترام المعلم أول درس يتعلمه التلميذ قبل أن يفتح كتابه.

 

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه:

ليس فقط أين اختفت هيبة المعلم؟

بل أيضًا: أي مدرسة نريد أن نتركها لأبنائنا في المستقبل؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.