إفلاس القيم: “الترند” أولاً.. والوعي في خبر كان.

0 171

بوجندار_____عزالدين مدير نشر

فوضى التواصل: حرية التعبير أم “سيبة” التشهير والرداءة؟

 

نعيش اليوم مفارقة غريبة؛ ففي الوقت الذي أتاحت فيه التكنولوجيا “ديمقراطية التعبير”، فتحت أيضاً الباب على مصراعيه لما أسماه الفيلسوف آلان دونو بـ “نظام التفاهة”. حيث لم يعد التأثير حكراً على النخب الفكرية أو الأقلام الرصينة، بل انتقلت “الميكروفونات” إلى أيدي جيش من المؤثرين و”التيكتوكرز” الذين يقتاتون على “البوز” الرخيص والفضائح اليومية.

المشكلة ليست في الوسيلة (تيك توك أو غيره)، بل في “المحتوى” الذي يتم تسويقه كحقيقة مطلقة. لقد أصبح “المؤثر” يفتي في السياسة، والاجتماع، والدين، والقانون، دون زاد معرفي، مستغلاً خوارزميات تكافئ الصراخ والغرابة على حساب المنطق والرزانة. هذا الوضع خلق “رأياً عاماً” عاطفياً، يسهل توجيهه بـ “فيديو” من دقيقة واحدة، بعيداً عن عمق التحليل ورصانة النقد.

تكمن خطورة “زمن التفاهة” في تحويل القضايا المصيرية إلى مجرد مادة للترفيه. وبينما تعاني المجتمعات من تحديات اقتصادية وفكرية، نجد “الترند” مشغولاً بخلافات تافهة أو تحديات صبيانية. هذا الهروب الجماعي نحو “التفاهة” يخدم غرضاً واحداً: تخدير الوعي الجمعي وإبعاد المواطن عن التفكير في “قاع الخابية” الحقيقي لمشاكله.

باسم “الحرية”، يتم اقتحام الخصوصيات، ونشر الأخبار الزائفة، وضرب القيم المجتمعية. لقد اختلط الحابل بالنابل، وأصبح من الصعب على المتلقي العادي التمييز بين “المؤطر” الحقيقي الذي يحمل هماً مجتمعياً، وبين “المؤثر” الذي يلهث وراء تحويل “المشاهدات” إلى دولارات، ولو على حساب كرامة المجتمع وصورته.

إن مواجهة زحف التفاهة لا تكون بالمنع فقط، بل بإعادة الاعتبار للمؤسسات التنشئية (المدرسة، الإعلام الرصين، والأسرة). يجب أن ندرك أن “حرية التواصل” مسؤولية، وأن الرأي العام ليس “سلعة” تُباع في مزاد “اللايكات”، بل هو وعي تراكمي يبني الأوطان أو يهدمها.

نحن لا نحارب التكنولوجيا، بل نحارب “الاستلاب” الذي تفرضه التفاهة. إن ترك الساحة لـ “التيكتوكرز” لتوجيه الرأي العام دون رقيب قيمي أو وعي نقدي، هو مغامرة بمستقبل جيل كامل يرى في “السهولة” قدوة، وفي “الرداءة” طريقاً للنجاح.هل تعتقد أن الحل يكمن في “تقنين” منصات التواصل، أم في “الوعي الذاتي” للمستهلك؟

 

لقد أصبحنا اليوم أمام واقع صادم؛ جيل يرى في “الشوهة” طريقاً للثراء، وفي “التفاهة” نموذجاً للنجاح، بينما تتوارى القيم والقدوات الحقيقية في الظل. إن ترك الساحة الرقمية دون ضوابط ليس “حرية”، بل هو استقالة جماعية من معركة الوعي التي تبني الشعوب.أاااااااااسي المسؤول عن القطاع.. هل ضاع شبابنا فعلاً في دوامة “اللايكات” الزائفة؟ وهل يعقل أن تظل مؤسساتنا مكتوفة الأيدي أمام هذا الغزو الذي ينهش في قيم المغاربة؟ إن غياب نصوص قانونية رادعة، تضع حداً لفوضى التشهير وصناعة الرداءة، هو “شيك على بياض” لمنطق السيبة الرقمية. المواطن يتساءل: متى ستتحرك القوانين لحماية الناشئة من مخالب التفاهة؟ أم أننا سننتظر حتى يغرق المركب بمن فيه تحت وطأة “البوز” الرخيص؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.