فشل سياسة “تعويض القطيع”.. من يتحمل مسؤولية إفراغ أسواقنا؟

0 6

بوجندار______عزالدين/  مدير نشر.

 

اللحوم الحمراء بالمغرب.. “لمن استطاع إليها سبيلاً”!

متابعة_____ خاصة.

لم يعد ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في المغرب مجرد تضخم عابر محكوم بقانون العرض والطلب؛ بل تحول إلى أزمة بنيوية مركبة تعري شروخاً عميقة في سلسلة الإنتاج والتدبير الإداري والمراقبة الحيوية لأسواق المملكة. إن ملامسة سعر الكيلوغرام عتبات غير مسبوقة تفرض تشريحاً صريحاً يذهب مباشرة إلى عمق الإشكال بعيداً عن مبررات الجفاف المستهلكة.

حين فتحت الحكومة باب استيراد الأبقار والأغنام الحية مع منح إعفاءات ضريبية وجمركية، كان الرهان هو ضخ دماء جديدة في السوق لخفض الأسعار بشكل فوري. لكن النتيجة الميدانية جاءت مخيبة لآمال المستهلك البسيط.المشكل الحقيقي يكمن في هندسة الدعم؛ حيث استفاد كبار المستوردين والمنظومات الكبرى من هذه التسهيلات، في حين ظل “الأثر الرجعي” على أسعار التقسيط شبه منعدم.

تحول الاستيراد من آلية لحماية القدرة الشرائية إلى صفقة رابحة لجهات محددة استغلت قلة المنافسة الشرسة، ليظل المواطن يشتري اللحم المستورد بنفس ثمن اللحم البلدي أو بفارق لا يذكر.

 

المسؤول المباشر الثاني هو الفوضى العارمة التي تشهدها قنوات التوزيع. في المغرب، يخرج الخروف أو العجل من ضيعة “الكسّاب” (الذي يعاني الأمرين مع كلفة الأعلاف) بثمن معقول، لكنه لا يصل إلى سكين الجزار إلا بعد المرور عبر ثلاث أو أربع حلقات من الوسطاء والمضاربين (“الشناقة”).هؤلاء الوسطاء يشتغلون في منطة رمادية بعيداً عن أي رقابة ضريبية أو تتبع رقمي. يمارسون “الاحتكار الفوري” بالأسواق الأسبوعية ومجازر المدن الكبرى، ويتحكمون في بورصة الأسعار اليومية. والنتيجة: يضيع ربح الكسّاب الصغير، ويُنهك جيب المواطن، بينما تذهب زبدة الأرباح إلى جيوب شبكات غير إنتاجية.

الخطأ التدبيري الأكبر الذي نعيش تبعاته اليوم هو ذبح الإناث (النعاج والعجلات). خلال سنوات الجفاف الأخيرة، تخلت فئات واسعة من صغار الكسّابة عن مواشيها بسبب عجزها عن شراء الأعلاف وغياب الدعم المباشر الموجه للفلاح الصغير بصفة شخصية (وليس عبر تعاونيات محتكرة).

اضطرار الكسّاب لبيع إناث الماشية لتغطية ديونه أدى إلى تدمير النواة الصلبة للتوالد في القطيع المغربي. هذا الاستنزاف البنيوي يعني أن تعافي إنتاج اللحوم محلياً لن يتطلب سقوط المطر فحسب، بل يتطلب سنوات لإعادة بناء قطيع وطني جديد، وهو ما يفسر استمرار الغلاء رغم أي تحسن مناخي طفيف.

 

إن إلقاء اللوم كاملاً على السماء والجفاف هو هروب إلى الأمام. الأزمة الحالية هي أزمة حكامة وضبط أسواق. ولمواجهة هذا الوضع، لا بد من الانتقال من الحلول الترقيعية إلى قرارات هيكلية جريئة:

1■ رقمنة مسار المواشي: تتبع الماشية من الضيعة إلى المجزرة لقطع الطريق على الوسطاء.

2■ إصلاح المجازر وأسواق الجملة: تحويلها إلى فضاءات مهيكلة تمنع دخول المضاربين غير المسجلين مهنياً.

3■ توجيه الدعم مباشرة للكسّاب الصغير: لضمان استمراره في الإنتاج وحماية إناث الماشية من الذبح المبكر.

بدون هذه الإجراءات الحازمة، ستبقى اللحوم الحمراء مادة نادرة على موائد الأسر المغربية، وستتحول من مكون أساسي في المطبخ المغربي إلى “مادة رفاهية” يقتصر استهلاكها على المناسبات المتباعدة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.