إرث لا يُمحى.. كيف نقل لقجع المغرب إلى نادي الكبار؟

0 10

بوجندار______عزالدين / مدير نشر.

 

الكرة المغربية: زمن الحكامة والعالمية

متابعة ______خاصة.

لم يكن الحادي عشر من نوفمبر 2013 مجرد تاريخ عادي في سجلات كرة القدم المغربية؛ بل كان لحظة تاريخية بانتقال المنظومة الكروية من عقلية “المسير الهواة” إلى فلسفة “رجل الدولة التكنوقراطي”. بانتخاب فوزي لقجع رئيساً للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، دخلت الرياضة الأكثر شعبية بالمملكة نفقاً من الإصلاحات الهيكلية التي لم تقف عند حدود المستطيل الأخضر، بل جعلت من الكرة رافعة للتنمية وأداة دبلوماسية استراتيجية.

جاء لقجع إلى عالم كرة القدم متسلحاً بخلفية مالية صارمة كخريج للمفتشية العامة للمالية وتدرجه في مناصب مديرية الميزانية بوزارة الاقتصاد. هذه “الخلفية الرقمية” نقلها مباشرة إلى دواليب الجامعة الرياضية؛ حيث ألغى منطق الارتجال المالي واستبدله بـ هندسة مالية واضحة المعالم. تضاعفت ميزانية الجامعة عبر استقطاب المستشهرين، وضخ الموارد في قنوات استثمارية واضحة: البنية التحتية، والتكوين المستدام.تحت إشرافه، تحول مشروع “تحديث ملاعب القرب وأندية الهواة” إلى حقيقة، وتوجت هذه الطفرة اللوجستية بإنشاء مركب محمد السادس لكرة القدم بالمعمورة، الذي يعد اليوم أحد أفضل المراكز الرياضية عالمياً وبشهادة الفيفا.

 

في قراءته لواقع اللعبة، أدرك لقجع مبكراً أن النتائج اللحظية للمنتخب الأول لا تصنع نهضة كروية مستدامة ما لم ترتكز على قاعدة تكوين صلبة. وتنفيذاً للرؤية الملكية السامية التي رسمت خارطة الطريق في مناظرة الصخيرات، تم التركيز على مأسسة مراكز التكوين الوطنية والجهوية.هذه الفلسفة أنتجت أجيالاً قادت المغرب لكتابة التاريخ؛ بدءاً من الملحمة التاريخية في مونديال قطر 2022 بالوصول إلى المربع الذهبي كأول منتخب إفريقي وعربي، وصولاً إلى استمرار التألق في المنافسات العالمية لنسخة 2026. ولم يقتصر الأمر على الرجال، بل امتدت الثورة إلى مأسسة كرة القدم النسوية وبطولات الفئات السنية وكرة القدم داخل القاعة التي تتربع على عروش التصنيفات العالمية.

 

لسنوات طويلة، عانى المغرب من “عزلة قارية” داخل ردهات الكاف (CAF)، مما جعل قرارات اللعبة تُطبخ بعيداً عن مصالحه. اعتمد لقجع استراتيجية “الهجوم الهادئ”، فانتزع مقعداً في المكتب التنفيذي للاتحاد الإفريقي، ثم مقعداً بمجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA).أدار رئيس الجامعة ما يمكن تسميته بـ “دبلوماسية الملاعب”؛ من خلال إبرام عشرات اتفاقيات الشراكة مع الاتحادات الإفريقية الشقيقة، واحتضان مبارياتها وتدريباتها فوق الملاعب المغربية. هذا الحضور القوي والامتداد الإفريقي توّج بالملف الأكبر في تاريخ الرياضة الوطنية: انتزاع شرف تنظيم كأس العالم 2030 بملف مشترك تاريخي يربط إفريقيا بأوروبا.

 

أمام هذه الطفرة الملموسة، بات من الطبيعي أن تتحول هذه الشخصية التسييرية إلى مادة دسمة لـ “الحملات المضادة” ووسائل الإعلام الخارجية التي تحاول اختزال هذا المجهود المؤسساتي في خانة الكواليس والاتهامات الواهية. إلا أن منطق الواقع والأرقام والمنشآت المشيدة على الأرض يبقى العصي على الطمس.إن مسيرة فوزي لقجع على رأس الجامعة ليست قصة مسير رياضي عابر، بل هي نموذج للإدارة التكنوقراطية الصارمة، متى ما اقترنت برؤية سياسية واستراتيجية عليا، أن تنقل قطاعاً بأكمله من الهواية والانتظارية إلى مصاف العالمية والقوة الناعمة الدولية. سيبقى إرث هذه الحقبة محفوراً ليس فقط بكؤوس الألقاب، بل بالبنية التحتية والمكانة الدولية التي وضعت المغرب كقوة كروية يحسب لها ألف حساب.

 

وفي النهاية، بعيداً عن صخب منصات التواصل وحملات التشويش العابرة، تُقاس قيمة المسؤولين بما يتركونه خلفهم من أثر، وحقبة فوزي لقجع باتت مرادفاً للنهضة والتميز. إن التفاف الشارع المغربي اليوم حول رئيس جامعتهم، وتقديم عبارات الشكر والثناء لمجهوداته، ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو اعتراف شعبي بذكاء تسييري واكب الرؤية الملكية السامية بروح وطنية عالية. لقد أعاد لقجع للمغاربة كبرياءهم الرياضي، وصنع جيلاً يؤمن بأن المستحيل ليس مغربياً، ليبقى اسمه محفوراً بمداد من ذهب في ذاكرة الرياضة الوطنية كصانع لزمن الأمجاد.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.