دعم الورق وتجاهل الرقمي.. خطة إنقاذ أم رصاصة رحمة؟
متابعة: بوجندار________عزالدين.
الوقت الذي تتسابق فيه حكومات العالم لرقمنة قطاعاتها وتطوير بنياها التكنولوجية، يبدو أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل بالمغرب، بقيادة محمد مهدي بنسعيد، اختارت مساراً مغايراً أثار الكثير من الحبر والجدل في الصالونات الإعلامية والمهنية.فقد شكل إطلاق الوزارة مؤخراً لبوابة إلكترونية مخصصة حصرياً لتصريح “النسخ التصويري” لدعم وإنقاذ الصحافة الورقية خطوةً وضعت قطاع الإعلام أمام تساؤل جوهري: هل نحن أمام خطة إنقاذ حكيمة لـ “صاحبة الجلالة” في نسختها الكلاسيكية، أم أنها انتكاسة تعود بعقارب الساعة الإعلامية عقوداً إلى الوراء؟
تدافع الوزارة الوصية عن طرحها باعتباره طوق نجاة لمقاولات إعلامية عريقة تئن تحت وطأة الأزمات المالية الخانقة، وتهددها شبح الإفلاس والتواري عن الرفوف بسبب تراجع المبيعات وهيمنة الوسائط الجديدة. من هذا المنظور، تُعد حماية “الورق” صوناً للذاكرة الجماعية ولرصانة المحتوى وتوثيقاً تاريخياً لا يمكن تعويضه بالروابط السريعة.لكن من “قاع الخابية” المهنية، يرى الفاعلون في الإعلام الرقمي أن هذا القرار يحمل في طياته “تمييزاً غير عادل” لا يتماشى مع الواقع الرقمي الذي يفرضه القرن الحادي والعشرون. فالصحافة الرقمية اليوم لم تعد مجرد “ترف تكنولوجي” أو منصات ثانوية، بل غدت المصدر الأول والأساسي للمعلومة والخبر للمواطن المغربي، ومحركاً رئيسياً للنقاش العمومي.
تكمن المفارقة العجيبة في أن الوزارة التي تحرص على إطلاق استراتيجيات الرقمنة والذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية، هي نفسها التي تُفرد للورق امتيازات حمائية خاصة، متجاهلةً أن المقاولة الإعلامية الرقمية تواجه بدورها تحديات هيكلية لا تقل شراسة:
● أزمة الإشهار المستحوذ عليه: تواجه المواقع الرقمية تغول منصات “الغاڤا” (جوجل وفيسبوك) التي تلتهم الحصة الأكبر من الكعكة الإشهارية الوطنية.
● تكاليف التشغيل المرتفعة: المقاولة الرقمية المهنية تستثمر اليوم في الموارد البشرية، والتقنيات، وحماية الخوادم (Servers)، وصناعة المحتوى البصري، وهي مصاريف تتطلب دعماً ومواكبة موازية.
إن تهميش الإعلام الرقمي من هكذا مبادرات تنظيمية أو حمائية يكرس نظرة “قاصرة” ترى في المواقع الإلكترونية مجرد فضاءات عابرة، وليست مقاولات مشغلة وصناعة قائمة الذات تساهم في التنمية الاقتصادية وفي الدفاع عن القضايا الاستراتيجية للمملكة على الساحة الدولية
لا أحد يطالب بإعدام الصحافة الورقية أو تركها لحتفها، فهي جزء من الهوية الثقافية والسياسية للبلاد. لكن المهنّية تقتضي ألا يكون إنقاذ “القديم” على حساب “الجديد”. إن الإعلام المغربي يحتاج اليوم إلى رؤية شمولية وعادلة تعيد ترتيب الأوراق بناءً على التنافسية الشريفة، الجودة، والالتزام بأخلاقيات المهنة، سواء كُتب الخبر بحبر المطبوعات أو شُفّر بلغة البرمجة على الشاشات.
أما الاستمرار في خلق جزر معزولة من الامتيازات فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشرخ بين التشريع القانوني والواقع المعاش، ليظل السؤال معلقاً: هل تنجح الوزارة في إحياء الورق، أم أنها تؤجل فقط وداعاً حتمياً على حساب جيل رقمي لا يقرأ الصحف؟