أراضي حربيل السلالية تروي العروق وتجف فيها الحقوق
متابعة: بوجندار _______عزالدين .
في الوقت الذي تحبس فيه المدينة الحمراء أنفاسها ترقباً لتدفق مياه البحر المحلاة القادمة من الحواضر الأطلسية لآسفي، وبعد أن بلغت أشغال هذا المشروع الملكي الاستراتيجي مراحلها الشبه نهائية بنسبة إنجاز ناهزت 98 في المائة، تنبثق من عمق التراب الجماعي لـ”حربيل” صرخة إقصاء تدق ناقوس الخطر حول واقع ذوي الحقوق بـ”دوار القايد” جماعةحربيل. صرخة تكشف كيف تحولت الأراضي السلالية إلى مجرد ممرات لإنقاذ الحواضر، مقابل تجميد مستحقات أهلها في دهاليز البيروقراطية لأزيد من سبع سنوات.
لا أحد يجادل في كون مشروع الربط المائي بين آسفي ومراكش يمثل طوق نجاة حقيقي لتأمين الماء الصالح للشرب ومواكبة التوسع العمراني للمدينة السياحية الأولى بالمملكة. غير أن التفوق التقني والسرعة القياسية في مد الأنابيب العملاقة، يقابلهما تعثر “غير مفهوم” ولا مبرر في تسوية الوضعية المادية لأصحاب الأرض.
فمنذ ما يقارب العقد من الزمن، وتحديداً لأكثر من سبع سنوات، وأنابيب الماء تخترق أحشاء الأراضي السلالية بجماعة حربيل. سبع سنوات سكت فيها ذوي الحقوق تغليباً للمصلحة الوطنية العليا، ودعماً لجهود مكافحة الإجهاد المائي، ممتثلين لروح التضامن بين الجهات. لكن المكافأة –حسب تعبير المتضررين– كانت هي الإهمال الإداري والتسويف.
يعيش نواب وأفراد الجماعة السلالية لـ”دوار القايد” بحربيل تفاصيل مسلسل درامي بطلُه “التنصل من المسؤولية”. فبينما تقترب المنظومة المائية من دخول مرحلة الاستغلال الفعلي، تحولت التعويضات المالية المستحقة قانوناً لهؤلاء المواطنين إلى “كرة ثلج” تقاذفها المكاتب الإدارية بدم بارد.الشركات المشرفة على الإنجاز تلقي بالكرة في مرمى المؤسسات العمومية، والوكالة الحضرية تحيل الملف على المصالح الولائية، وهي الأخرى ترمي الكرة على مكتب التوثيق و مكتب الدراسات، في حين يجد قاطنو دوار القايد أنفسهم تائهين في مثلث برمودا الإداري الذي يجمع بين:
_ وزارة الداخلية (بصفتها الوصية على الأراضي السلالية).
_ قسم الشؤون القروية بولاية جهة مراكش-آسفي.
_ الوكالة الحضرية للمدينة والشركات المتدخلة في المشروع.
هذا التناقض الصارخ يطرح علامات استفهام كبرى حول الجدوى من “المساطر الاستعجالية” التي تُطبق فقط عندما يتعلق الأمر بنزع الملكية أو تمرير الأنابيب، بينما تصاب هذه المساطر بـ”الشلل التام” عندما يحين وقت تمكين الفلاحين وذوي الحقوق من تعويضاتهم العادلة التي تضمن كرامتهم وقدرتهم على الاستمرار فوق ما تبقى من أراضيهم.
إن النجاح الحقيقي للمشاريع القومية الكبرى لا يُقاس فقط بنسب إنجاز الأوراش وبلوغها حاجز الـ98 في المائة، بل يُقاس أولاً بمدى احترامها للمحيط الاجتماعي ولحقوق الإنسان البسيط الذي يعتبر الحلقة الأضعف في هذه السلسلة.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه في جماعة حربيل، وتحول مستحقات أصحاب الأرض إلى رهينة صراعات بيروقراطية وتماطل إداري، من شأنه أن يفرغ هذا الورش المائي التنموي من حمولته الإيجابية، ويحوله في أذهان الساكنة المحلية من مشروع “إحياء وتنمية” إلى مشروع “إقصاء وتهميش”.
أمام هذا الوضع المقلق، باتت مصالح ولاية جهة مراكش-آسفي، وعلى رأسها والي الجهة، ومجلس الوصاية بوزارة الداخلية، مطالبين بالتدخل الحازم والعاجل لفك شفرة هذا البلوكاج الإداري، وإعادة الحقوق لأصحابها بـ”دوار القايد”، لكي لا تروي مياه آسفي عطش مراكش، وتترك خلفها دموع القهر والعطش الاجتماعي في حربيل.
يمكن لأحد أن ينكر العيون الساهرة والسعي الحثيث والسلطات المحلية بقيادة حربيل، دائرة البور، عمالة مراكش، وهي تتابع بكل اهتمام وتفانٍ تفاصيل ملف مستحقات ذوي الحقوق بـ”دوار القايد”. غير أن هذا الجهد المحلي المحمود يصطدم –للأسف الشديد– بجدار سميك من التماطل والبيروقراطية المفرطة في دهاليز الإدارات المركزية والجهوية والشركات المعنية.
إن هذا التناقض الصارخ بين حرص السلطة المحلية بالقيادة والدائرة وبين “الجمود” الذي يطوق الملف في مستوياته العليا، يفرض اليوم أكثر من أي وقت مضى، تدخلاً حازماً ومسؤولاً يفوق لغة الوعود والتقارير. إن كرامة أهالي دوار القايد وحقوقهم المشروعة ليست “ملفاً مؤجلاً” على رفوف المكاتب، بل هي أمانة قانونية وأخلاقية تتطلب الإنصاف الفوري. فلا يعقل أن تُسابق الدولة الزمن لتأمين قطرات الماء للمدينة السياحية، وتترك حقوق من وهبوا أرضهم للمصلحة العامة تجف تحت شمس الانتظار والتماطل