*الصحة في المزاد…والعلاج لمن استطاع إليه سبيلا*

0 883

بوجندار_عزالدين / المشاهد

متابعة : أبو الاء/ الدار البيضاء

 

في هذا البلد، لم تعد الطريق إلى الشفاء تمر عبر الطبيب أو المستشفى، بل عبر الحساب البنكي، وسرعة تحويل الأموال، ومهارة المريض في “التفاوض الصحي”.

المرضى لا يعودون مرضى… بل “زبناء محتملين”، والمصحات الخاصة لم تعد مؤسسات علاج، بل مكاتب فواتير مسبقة الدفع.

أما المستشفيات العمومية، فتلك قصة أخرى…

أقرب إلى “مراكز الاستسلام الجماعي” منها إلى فضاءات استشفاء.

تدخلها وأنت تعاني من ألم، وتخرج منها وأنت تعاني من ألمين : ألم الجسد، وألم الإهمال.

طبيب واحد لأربعين مريضًا، وممرضة تسابق الزمن بين الطابق الأول والثاني، وآلات معطلة، وسرير تنتظر عليه يومين… وإن كنت محظوظًا، ربما ثلاث.

لكن المواطن، المسكين، لا يملك رفاهية “الشكاية”، ولا متسعًا من الصبر للتذمر.

فإذا رفع صوته داخل المستشفى العمومي، سمع الجواب الجاهز : “راك عارف الحالة… واش ما كتشوفش البلاد كيف دايرة؟”

وإذا لجأ مضطرًا إلى مصحة خاصة، دخلها بـ”المرّة”، وخرج منها بـ”قرض استهلاكي”.

هناك، لا تسألك الممرضة عن وجعك، بل عن رقم الضمان أو وثيقة التأمين.

وقد يحدث أن يُؤخَّر دخولك لغرفة الفحص حتى يتم تحويل العربون.

فالمرض مستعجل، نعم، لكن الدفع… أسبق!

بعض المصحات الخاصة “نقول البعض ولا نعمم ” صارت تتعامل مع المرضى كما تتعامل شركات الطيران مع المسافرين :  “إذا أردت جناحًا مريحًا، عليك أن تدفع أكثر، وإذا أردت ابتسامة، فحاول أن لا تسأل كثيرًا”.

قد يُجري المريض تحليلًا بسيطًا، فيفاجأ بفاتورة تُضاهي تكلفة عملية جراحية في دولة أخرى.

وحين يسأل: “علاش؟” يُقال له : “راك دويت مع البروفيسور، وماشي أي واحد كيتلاقاه!” وكأن الاستشارة أصبحت شرفًا، لا حقًا.

المشكلة ليست في المصحات فقط، بل في الصمت الجماعي الذي جعل من المرض سوقًا، ومن العلاج مزادًا، ومن الطبيب “مُقيّمًا ماليًا” أكثر من كونه شافيًا.

بعض المصحات، للأسف، لا ترى في الألم الإنساني سوى فرصة لملء الحسابات البنكية.

ترى المريض جسدًا قابلًا للتقطيع… وتحليله، وتصويره، وتخديره،… وكل ذلك قابل للفوترة، طبعًا.

وإذا سأل أحدهم : “فين هي الدولة؟” نجيبه بـالدارجة : “آ خويا… حتى الدولة راها كاتداوي فراسها!”

نحن اليوم أمام مشهد عبثي : مستشفيات عمومية تحتضر.

مصحات خاصة تبتز.

مواطنون يتعالجون بالإيمان، والزعتر، وبـ”الله يدير تاويل الخير”.

ولأننا لا نتقن فن “عين ميكة” كان لزاما ان نتطرق لهذا الامر، نكتب اليوم لا لنجلد الأطباء، ولا لنشكك في النيات، بل لنقول:

الصحة مشي امتياز، الصحة حق..والمرض لا يجب أن يكون بداية لحكاية إفلاس.

ومن قال : “الدواء يُشترى”، نقول له : “الكرامة لا تُشترى… وحتى الصبر، عندو حدود!”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.