بعد إسدال الستار: ماذا جنت الصويرة من مهرجان كناوة؟
بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر
الحكامة والشفافية بمهرجان الصويرة: أسئلة مشروعة تبحث عن أجوبة واضحة.
متابعة _____الامازيغي
لم يكن مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة، على امتداد سبع وعشرين دورة، مجرد حدث عابر في أجندة المواعيد الثقافية الوطنية؛ بل تحول بفضل تضافر الجهود إلى منصة دولية نجحت في ربط “موجادور” بآفاق التلاقح الكوني. غير أن هذا الإشعاع الباهر، الذي حظي ويحظى بالتقدير، بات اليوم يستوجب وقفة تأمل ومكاشفة من قاع الخابية، بعيداً عن لغة المجاملات، وانطلاقاً من قناعة راسخة بأن كبريات التظاهرات لا تنضج وتستمر إلا بتبني النقد المسؤول والإنصات النبيه لنبض الحاضنة الشعبية.
في هذا السياق، تتبلور ملامح “رسالة مفتوحة” موجهة إلى السيدة رئيسة المهرجان، لا تحمل خلفيات التشكيك أو المزايدة، بل تنطلق من تساؤل جوهري يشغل بال المتتبعين والشغوفين بهذا الإرث: كيف يمكن تحويل النجاح الفني للمهرجان إلى عوائد تنموية ملموسة يشعر معها أبناء الصويرة بأنهم شركاء حقيقيون، وليسوا مجرد كومبارس في فضاء يحتضن الحدث؟
أولى الملاحظات التي استوقفت الغيورين على المهرجان في دورته الأخيرة، تجلت في اختيار افتتاح التظاهرة بكلمة باللغة الإنجليزية. وإذا كان الانفتاح على لغات العالم قيمة إيجابية تخدم الإشعاع الدولي، فإن توظيفها كقناة تواصل رئيسية في مستهل الحدث بدا كأنه قفز غير مبرر على مقتضيات الوثيقة الدستورية للمملكة، التي تقر باللغتين العربية والأمازيغية كغريمين رسميين للهوية الوطنية. إن صون رمزية الهوية في المحافل الكبرى لا يقل أهمية عن جلب السياح الأجانب، بل هو الأساس الذي يمنح المنتج الثقافي المغربي خصوصيته وعالميته.
بعد أن أسدل الستار على الدورة 27، عادت إلى الواجهة الأسئلة المشروعة التي تتكرر مع نهاية كل صيف حول الحصيلة السنوية للمهرجان بالنسبة لمدينة الصويرة. ففي مقابل الدعم المالي واللوجستيكي والأمني السخي الذي تضخه المؤسسات العمومية والخاصة، يتساءل الرأي العام المحلي بمرارة: ماذا جنت المدينة الغافية على شاطئ الأطلسي بعد كل هذه العقود؟إن مشهد أكوام النفايات التي تعقب رحيل الحشود، وشعور فئات واسعة من الساكنة بالإقصاء من بعض الفضاءات الحيوية، مقابل امتيازات مبالغ فيها لفئات محددة، يسهم في تعميق الفجوة بين المهرجان ومحيطه المجتمعي. وهو وضع لا يليق بمدينة قدمت هويتها وتاريخها مجاناً لتصنع اسماً عالمياً للمهرجان.
إن الخروج من دائرة الأسئلة السنوية القلقة لا يتطلب معجزات، بل يستدعي فقط تفعيل مبادئ الحكامة التدبيرية والشفافية المالية. لقد حان الوقت لتكريس ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة في القطاع الثقافي عبر خطوات عملية:نشر المعطيات المالية:
● الكشف الدقيق عن حجم التمويلات وأوجه صرفها تنفيذاً لمبدأ الحق في الوصول إلى المعلومة.
● إنجاز دراسات علمية محايدة لرصد الأثر الاقتصادي، الاجتماعي، والثقافي للمهرجان على الإقليم.
● توسيع دائرة الاستفادة لتشمل الفنانين المحليين، والأشخاص في وضعية إعاقة، وساكنة الجماعات الترابية المجاورة عوض حصرها في مركز المدينة
في نهاية المطاف، تبدو هذه الرسالة المفتوحة بمثابة صرصة وعي ودعوة صادقة لفتح نقاش عمومي هادئ ورصين حول مستقبل مهرجان كناوة. إنها صياغة ناضجة تبتعد عن لغة الخصومة لتؤسس لمنطق الإصلاح والتطوير؛ فالمهرجان ملك جماعي للمغاربة، والصويرة هي روحه وحاضنته الأولى، وكل نجاح يحققه يجب أن تنعكس ثمراته أولاً على الملامح اليومية للمدينة وعلى مستقبل شبابها.